صديق الحسيني القنوجي البخاري

510

فتح البيان في مقاصد القرآن

وانتقلت عن أماكنها وأذهبت عن وجه الأرض ، قيل هذا متصل بقوله : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ وإن جماعة من الكفار سألوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يسير لهم جبال مكة حتى تتفسح فإنها أرض ضيقة فأمره اللّه سبحانه بأن يجيب عليهم بهذا الجواب المتضمن لتعظيم شأن القرآن وفساد رأي الكفار حيث لم يقنعوا به وأصروا على تعنتهم وطلبهم ما لو فعله اللّه سبحانه لم يبق ما تقتضيه الحكمة الإلهية من عدم إنزال الآيات التي يؤمن عندها جميع العباد . أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أي صدعت وشققت حتى صارت قطعا متفرقة من خشية اللّه عند قراءته وجعلت أنهارا أو عيونا أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى أي صاروا أحياء بقراءته عليهم فكانوا عند تكليمهم به كما يفهمه الأحياء وقد اختلف في جواب لو فقيل لكان هذا القرآن ، وقيل لكفروا بالرحمن أي لو فعل بهم وهذا وقيل لما آمنوا كما سبق في قوله : ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الأنعام : 111 ] . وقيل التقدير وهم يكفرون بالرحمن لو أن قرآنا إلخ وكثيرا ما تحذف العرب جواب لو إذا دل عليه سياق الكلام وتذكير كلّم خاصة دون الفعلين قبله لأن الموتى تشتمل على المذكر الحقيقي والتغليب له فكان حذف التاء أحسن ، والجبال والأرض ليستا كذلك قاله الكرخي . قال ابن عباس : قالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم إن كان كما تقول فأرنا أشياخنا الأول من الموتى نكلمهم وأفسح لنا هذه الجبال فنزلت هذه الآية ، وعن عطية العوفي قال : قالوا لمحمد صلى اللّه عليه وسلم لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع فنحرث فيها أو قطعت لنا الأرض كما كان سليمان عليه السلام يقطع لقومه بالريح أو أحييت لنا كما كان يحيي عيسى الموتى لقومه فأنزل اللّه هذه الآية . بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أي لو أن قرآنا فعل به ذلك لكان هذا القرآن ولكن لم يفعل بل فعل ما عليه الشأن الآن فلو شاء أن يؤمنوا لآمنوا وإذا لم يشأ أن يؤمنوا لم ينفع تسيير الجبال وسائر ما اقترحوه من الآيات ، فالإضراب متوجه إلى ما يؤدي إليه كون الأمر للّه سبحانه ويستلزمه من توقف الأمر على ما تقتضيه حكمته ومشيئته ويدل على أن هذا هو المعنى المراد من ذلك قوله . أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا قال الكلبي : بمعنى ألم يعلم وهي لغة النخع قال في الصحاح : وقيل هي لغة هوازن ، وبهذا قال جماعة من السلف ، قال أبو عبيدة : أفلم يعلموا ويتبينوا قال الزجاج : وهو مجاز لأن اليائس من الشيء عالم بأنه لا يكون نظيره استعمال الرجاء في معنى الخوف والنسيان في الترك لتضمنهما إياهما . وقرأ جماعة من الصحابة والتابعين أفلم يتبين بطريق التفسير فمعنى الآية على