صديق الحسيني القنوجي البخاري

496

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ [ النحل : 48 ] قيل وهذه السجدة من عزائم سجود التلاوة ، فيسن للقارئ والمستمع أن يسجد عند قراءته واستماعه لهذه السجدة . قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي خالقهما ومتولي أمورهما ، أمر اللّه سبحانه رسوله أن يسأل الكفار من ربهما ؟ سؤال تقرير ، ثم لما كانوا يقرون بذلك ويعترفون به كما حكاه اللّه سبحانه في قوله : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [ الزخرف : 9 ] وقوله وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ الزخرف : 87 ] أمر رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم أن يجيب فقال : قُلِ اللَّهُ فكأنه حكى جوابهم وما يعتقدونه لأنهم ربما تلعثموا في الجواب حذرا مما يلزمهم . ثم أمره بأن يلزمهم الحجة ويبكتهم فقال : قُلْ أَ فَاتَّخَذْتُمْ الاستفهام للإنكار ، أي إذا كان رب السماوات والأرض هو اللّه كما تقرون بذلك وتعترفون به كما حكاه سبحانه عنكم بقوله : قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ [ المؤمنون : 86 ، 87 ] فما بالكم اتخذتم لأنفسكم بعد إقراركم هذا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ عاجزين لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا يضرون به غيرهم أو يدفعونه عن أنفسهم فكيف ترجون منهم النفع والضر وهم لا يملكونهما لأنفسهم . ثم ضرب اللّه سبحانه لهم مثلا وأمر رسوله صلى اللّه عليه وسلم أن يقوله لهم فقال : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى في دينه وهو الكافر وَالْبَصِيرُ فيه وهو الموحد ، فإن الأول جاهل لما يجب عليه وما يلزمه والثاني عالم بذلك . قال ابن عباس يعني المؤمن والكافر . أَمْ هَلْ أم هذه هي المنقطعة فتقدر ببل . والهمزة عند الجمهور ، وببل وحدها عند بعضهم ، وقد تقوى بهذه الآية من يرى تقديرها ببل فقط بوقوع هل بعدها ، وأجيب بأن هل هنا بمعنى قد وإليه ذهب جماعة ، وقيل استفهامية للتقريع والتوبيخ وهو الظاهر تَسْتَوِي قرىء بالتاء والياء والوجهان واضحان الظُّلُماتُ أي الكفر وَالنُّورُ أي الإيمان ، أي كيف يكونان مستويين وبينهما من التفاوت ما بين الأعمى والبصير ، وما بين الظلمات والنور ، ووحد النور وجمع الظلمات لأن طريق الحق واحدة لا تختلف ، وطرائق الباطل كثيرة غير منحصرة . أَمْ هي المنقطعة التي بمعنى بل والهمزة أي بل أ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ والاستفهام لإنكار الوقوع قال ابن الأنباري : معناه أجعلوا للّه شركاء خَلَقُوا كَخَلْقِهِ أي مثل خلق اللّه ، يعني سماوات وأرضا وشمسا وقمرا ، وجبالا وبحارا وجنا وإنسا . فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ أي فتشابه خلق الشركاء بخلق اللّه عندهم ، وهذا كله في حيز النفي كما علمت ، أي ليس الأمر كذلك حتى يشتبه الأمر عليهم ، بل إذا فكروا