صديق الحسيني القنوجي البخاري
474
فتح البيان في مقاصد القرآن
وعن عائشة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قرأ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا مخففة أخرجه ابن مردويه من طريق عكرمة ، وعن ابن عباس أيضا أنه كان يقرأ قد كذبوا مخففة وقال : يئس الرسل من قومهم أن يستجيبوا لهم وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم بما جاؤوهم به جاؤوهم نصرنا أي الرسل ، وبها قرأ ابن مسعود قال : استيأس الرسل من إيمان قومهم أن يؤمنوا بهم وظن قومهم حين إبطاء النصر أنهم قد كذبوا ، وقال حفظت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم في سورة يوسف أنهم قد كذبوا مخففة ، وللسلف في هذا كلام يرجع إلى ما ذكرناه من الخلاف عن الصحابة . فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ من عبادنا عند نزول العذاب بالكافرين والذين نجاهم اللّه هم الرسل ومن آمن معهم وهلك المكذبون وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا أي عذابنا عند نزوله عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ المشركين . قال ابن عباس : وذلك أن اللّه بعث الرسل يدعون قومهم فأخبروهم أن من أطاع اللّه نجا ، ومن أعرض عذب وغوى ، وفيه بيان من يشاء اللّه نجاته من العذاب وهم من عدا هؤلاء المجرمين . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 111 ] لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 111 ) لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ أي قصص الرسل ومن بعثوا إليهم من الأمم أو في قصص يوسف عليه السلام وإخوته وأبيه قاله مجاهد عِبْرَةٌ هي الفكرة والبصيرة المخلصة من الجهل والحيرة ، وقيل هي نوع من الاعتبار وهي العبور من الطرف المعلوم إلى الطرف المجهول لِأُولِي الْأَلْبابِ هم ذوو العقول السليمة الذين يعتبرون بعقولهم فيدرون ما فيه مصالح دينهم . وإنما كان هذا القصص عبرة لما اشتمل عليه من الإخبارات المطابقة للواقع مع بعد المدة بين النبي صلى اللّه عليه وسلم وبين الرسل الذين قص حديثهم ومنهم يوسف عليه السلام وإخوته وأبوه مع كونه لم يطلع على أخبارهم ولا اتصل بأحبارهم ، وعبارة الكرخي وجه الاعتبار بقصصهم أنه قال في أول السورة نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [ يوسف : 3 ] ثم قال ههنا لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب وذلك تنبيه على أن حسن هذه القصة إنما هو لأجل حصول العبرة منها ومعرفة الحكمة والقدرة . ما كانَ هذا المقصوص الذي يدل عليه ذكر القصص أو القرآن المشتمل على ذلك المتقدم ذكره في قوله إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [ يوسف : 2 ] حَدِيثاً يُفْتَرى قال قتادة : الفرية الكذب وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ من الكتب المنزلة كالتوراة والإنجيل والزبور ، وقيل هو تصديق ذلك كله ويشهد عليه أن جميعه حق من عند اللّه . وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ من الشرائع المجملة المحتاجة إلى تفصيلها لأن اللّه