صديق الحسيني القنوجي البخاري
47
فتح البيان في مقاصد القرآن
غير موضع ، والرؤية بصرية والمعنى لو رأيت إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ لأن لو يقلب المضارع ماضيا أي ولو ترى الكافرين وقت توفى الملائكة لهم قيل أراد بالذين كفروا من لم يقتل يوم بدر . وقيل هي فيمن قتل ببدر ، وجواب لو محذوف تقديره لرأيت أمرا عظيما يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ أي جهة الأمام وَأَدْبارَهُمْ أي جهة الخلف يعني أستاههم كنى عنها بالأدبار ، وقيل ظهورهم بمقامع من حديد ، وهذا نص في أن ملائكة الموت عند قبضها لروح الكافر تضربه بما ذكر وتقول له ما ذكر وإن كنا محجوبين عن رؤية ذلك وسماعه . واختلفوا في وقت هذا الضرب ، فقيل يكون عند الموت تضرب الملائكة وجه الكفار وأدبارهم بسياط من نار كما يفيده ذكر التوفي ، وقيل هو يوم القيامة حين يسيرون بهم إلى النار ، قال ابن جريج : يريد ما أقبل من أجسادهم وأدبر يعني يضربون جميع أجسادهم ، قيل كان المشركون إذا أقبلوا بوجوههم على المسلمين ضربت الملائكة وجوههم بالسيوف ، وإذا ولوا أدبارهم ضربت الملائكة أدبارهم ، قيل كان معهم مقامع من حديد محماة بالنار يضربون بها الكفار فتلتهب النار في جراحاتهم . وَ يقول لهم خزنة جهنم عند القتل ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ أي المحرق وقال ابن عباس : تقول لهم الملائكة ذلك بعد الموت ، وقال الحسن : هذا يوم القيامة ، والذوق قد يكون محسوسا وقد يوضع موضع الابتلاء والاختبار ، وأصله من الذوق بالفم . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 51 إلى 52 ] ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ( 51 ) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 52 ) ذلِكَ إشارة إلى ما تقدم من الضرب والحريق والعذاب والقتل بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ أي واقع بسبب ما كسبتم من المعاصي واقترفتم من الذنوب ، هذا من جملة قول الملائكة ، عبر بها دون غيرها لأن أكثر الأفعال تزاول بها وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ أي والأمر انه لا يظلمهم أو ذلك العذاب بسبب المعاصي وبسبب أن اللّه ليس بذي ظلم لهم فيعذبهم بغير ذنب ، لأنه سبحانه قد أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه ، وأوضح لهم السبيل وهداهم النجدين كما قال سبحانه : وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [ النحل : 118 ] والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبلها . كَدَأْبِ لما ذكر سبحانه ما أنزله بأهل بدر أتبعه بما يدل على أن هذه سنته في فرق الكافرين ، وأصل الدأب في اللغة إدامة العمل ، يقال فلان يدأب في كذا إذا دوام عليه وأتعب نفسه فيه ، ثم سميت العادة دأبا لأن الإنسان يداوم على عادته ويواظب عليها ، أي دأب هؤلاء في كفرهم مثل دأب آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ والمعنى