صديق الحسيني القنوجي البخاري

468

فتح البيان في مقاصد القرآن

الوجه الثالث : أنهم أهل الكتاب يؤمنون بكتابهم ويقلدون علماءهم في الكفر بغيره ويقولون المسيح ابن اللّه وعزيز ابن اللّه ، فهم يؤمنون بما أنزل اللّه على أنبيائهم حال كونهم مشركين . الوجه الرابع : أن المقصود بذلك ما كان يقع في تلبية العرب من قولهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك ، فقد كانوا في هذه التلبية يؤمنون باللّه وهم مشركون . روي نحو ذلك عن ابن عباس . الوجه الخامس : أن المراد بهذه الآية المراؤون من هذه الأمة لأن الرياء هو الشرك المشار إليه بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل » « 1 » فالمراؤون آمنوا باللّه حال كونهم مشركين بالرياء . وأخرج أحمد في المسند من حديث محمود بن لبيد أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ، قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول اللّه ؟ قال الرياء ، يقول اللّه يوم القيامة : إذا جزي الناس بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء » « 2 » . الوجه السادس : أن المراد بالآية من نسي ربه في الرخاء وذكره عند الشدائد روي ذلك عن عطاء ، وفيه أنه لا يصدق على ذلك أنه آمن باللّه حال كونه مشركا إلا أن يجعل مجرد نسيان الذكر والدعاء عند الرخاء شركا مجازا كأنه بنسيانه وتركه للدعاء قد عبد إلها آخر وهو بعيد ، على أنه لا يمكن اجتماع الأمرين لأنه حال الذكر والدعاء غير متصف بالنسيان وترك الذكر ، وقد تقرر أن حال قيد في عاملها إلا أن يعتبر بما كان عليه شيء فإن ذلك أحد العلاقات المصححة للتجوز ، ويدل عليه قوله تعالى : فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ [ العنكبوت : 65 ] . الوجه السابع : أن المراد من أسلم من المشركين فإنه كان مشركا قبل إيمانه حكم بذلك الحاكم في تفسيره وتقريره أنه ما يؤمن أحدهم باللّه إلا وقد كان مشركا قبل إيمانه والكلام فيه كالكلام في الوجه الذي قبله ، والجواب الجواب . الوجه الثامن : أن المراد بالشرك ههنا ما يعرض من الخواطر والأحوال حال الإيمان ، قاله الواسطي كما حكاه عنه البقاعي ، وفيه أن هذه الخواطر والأحوال إن كانت مما يصدق عليه الشرك الأكبر أو الأصغر فذاك وإن كانت خارجة عن ذلك فهو فاسد . الوجه التاسع : أنهم الذين يشبهون اللّه بخلقه ، رواه الكشاف عن ابن عباس وتقريره أنهم آمنوا باللّه حال تشبيههم له بما يكون شركا أو يؤول إلى الشرك .

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 4 / 403 . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 5 / 428 ، 429 .