صديق الحسيني القنوجي البخاري
466
فتح البيان في مقاصد القرآن
وعنادا وحسدا مع كونهم يعلمون حقيقة الحال ، ودليل قاطع على صحة نبوته صلى اللّه عليه وسلم لأنه كان أميا بحتا لم يقرأ الكتب ولم يلق العلماء ولم يسافر إلى غير بلده الذي نشأ فيه ، ومع ذلك أتى بهذه القصة الطويلة على أحسن تركيب وأفصح عبارة فعلم أن إتيانه بها بوحي من اللّه سبحانه وتعالى . وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ أي لدى إخوة يوسف وهو تعليل لكل من الخبرين إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ إجماع الأمر العزم عليه أي إذ عزموا جميعا على إلقائه في الجب وَهُمْ أي بنو يعقوب في تلك الحالة يَمْكُرُونَ بيوسف عليه السلام في هذا الفعل الذي فعلوه به ويبغونه الغوائل أو يمكرون بيعقوب حين جاؤوه بقميص ملطخا بالدم وقالوا أكله الذئب . وإذا لم يكن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لديهم عند أن فعلوا ذلك انتفى علمه بذلك مشاهدة ولم يكن بين قوم لهم علم بأحوال الأمم السالفة ، ولا خالطهم ولا خالطوه ، فانتفى علمه بذلك بطريق الرواية عن الغير ، فلم يبق بعلمه بذلك طريق إلا مجرد الوحي من اللّه سبحانه فهذا يستلزم الإيمان بما جاء به . فلما لم يؤمن بذلك من عاصره من الكفار قال اللّه سبحانه ذاكرا لهذا وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ على هدايتهم وبالغت في ذلك بِمُؤْمِنِينَ باللّه لتصميمهم على الكفر الذي هو دين آبائهم ، يقال حرص يحرص مثل ضرب يضرب وفي لغة ضعيفة مثل حمد يحمد ، والحرص طلب الشيء باجتهاد والاسم الحرص بكسر وحرص حرصا من باب تعب لغة إذا رغب رغبة مذمومة . وقال الزجاج : معناه ما أكثر الناس بمؤمنين ولو حرصت على أن تهديهم ، لأنك لا تهدي من أحببت ولكن اللّه يهدي من يشاء ، قال ابن الأنباري : إن قريشا واليهود سألوا النبي صلى اللّه عليه وسلم عن قصة يوسف وإخوته فشرحها شرحا شافيا وأتى بها على وفق ما عندهم في التوراة ، وهو يأمل أن يكون ذلك سببا لإسلامهم ، فخالفوا ظنه ولم يسلموا فحزن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لذلك فعزاه اللّه بقوله وَما أَكْثَرُ النَّاسِ . الآية . وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ أي على القرآن وما تتلوه عليهم منه أو على الإيمان وحرصك على وقوعه منهم أو على ما تحدثهم به من هذا الحديث مِنْ أَجْرٍ من مال يعطونك إياه ويجعلونه لك كما يفعله أحبارهم إِنْ هُوَ أي القرآن أو الحديث الذي حدثتهم به إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ كافة قاطبة لا يختص بهم وحدهم وهذا كالتعليل لما قبله لأن الوعظ العام ينافي أخذ الأجر من البعض . وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ قال الخليل وسيبويه أن كأين أصلها ( أي ) دخل عليها كاف التشبيه لكنه انمحى عن الحرفين المعنى الإفرادي وصار المجموع باسم واحد بمعنى