صديق الحسيني القنوجي البخاري

455

فتح البيان في مقاصد القرآن

قال ابن عباس : دراهم مزجاة أي كاسدة ، وعنه أيضا مزجاة رثة المتاع خلقة الحبل والغرارة والشيء ، وأيضا الورق الزيوف التي لا تنفق حتى يوضع منها . وفي القاموس زجاه ساقه ودفعه ومزجاة قليلة أو لا يتم صلاحها ، وفي المصباح زجيته بالتثقيل دفعته برفق . واختلف في هذه البضاعة ما هي ، فقيل كانت قديدا وحيسا ، وقيل صوف وسمن ؛ وقيل الحبة الخضراء والصنوبر ، وقيل دراهم رديئة زيوف ، وقيل النعال والأدم ، ثم طلبوا منه بعد أن أخبروه بالبضاعة التي معهم أن يوفي لهم الكيل أي يجعله تاما لا نقص فيه وأن يتصدق عليهم فقالوا : فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إما بزيادة يزيدها لهم على ما يقابل بضاعتهم أو بالإغماض عن رداءة البضاعة التي جاؤوا بها وأن يجعلها كالبضاعة الجيدة في إيفاء الكيل لهم بها ، وبهذا قال أكثر المفسرين ، وقد قيل كيف يطلبون التصدق عليهم وهم أنبياء والصدقة محرمة عليهم . وأجيب باختصاص ذلك بنبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم . وقال ابن جريج : معنى قولهم أردد علينا أخانا . وبه قال الضحاك . وقال ابن الأنباري وكان الذي يسألونه من المسامحة يشبه الصدقة لا نفس الصدقة . إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ بما يجعله لهم من الثواب الأخروي أو التوسيع عليهم في الدنيا قال الضحاك : ولم يقولوا إن اللّه يجزيك لأنهم لم يعلموا أنه مؤمن ولما قالوا ذلك لم يتمالك يوسف عليه السلام أن عرفهم نفسه حيث قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ الاستفهام للتوبيخ والتقريع ، وقد كانوا عالمين بذلك ولكنه أراد ما ذكرناه ويستفاد منه تعظيم الواقعة لكونه في قوة ما أعظم الأمر الذي ارتكبتم من يوسف عليه السلام وأخيه ، وما أقبح ما أقدمتم عليه ، كما يقال للمذنب هل تدري من عصيت ، والذي فعلوه بيوسف عليه السلام هو ما تقدم مما قصه اللّه سبحانه علينا في هذه السورة . وأما ما فعلوا بأخيه فقال جماعة من المفسرين هو ما أدخلوه عليه من الغم بفراق أخيه يوسف عليه السلام وما كان يناله منهم من الاحتقار والإهانة ولم يستفهم عما فعلوا بأبيهم يعقوب مع أنه قد ناله منهم ما قصه اللّه فيما سبق من صنوف الأذى . قال الواحدي ؛ ولم يذكر أباه يعقوب مع عظم ما دخل عليه من الغم بفراقه تعظيما له ورفعا من قدره ، وعلما بأن ذلك كان بلاء له من اللّه عزّ وجلّ ليزيد في درجته عنده تعالى . إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ نفى عنهم العلم وأثبت لهم صفة الجهل لأنهم لم يعلموا بما يقتضيه العلم ، وقيل إنه أثبت لهم صفة الجهل لقصد الاعتذار عنهم وتخفيف الأمر