صديق الحسيني القنوجي البخاري
451
فتح البيان في مقاصد القرآن
اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً [ الطلاق : 7 ] إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ بحالي الْحَكِيمُ فيما يقضي به . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 84 إلى 87 ] وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ( 84 ) قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ ( 85 ) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 86 ) يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ( 87 ) وَتَوَلَّى أي أعرض عَنْهُمْ وقطع الكلام معهم حين بلغوه خبر بنيامين وَ لما ساء حزنه واشتد بلاؤه وبلغ جهده وهاج غمه قالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ قال الزجاج الأصل يا أسفي فأبدل من الياء ألفا لخفة الفتحة ، والأسف شدة الجزع ، وقيل شدة الحزن . عن ابن عباس أي يا حزنا ، وعن قتادة مثله ، وعن مجاهد يا جزعا . قال يعقوب هذه المقالة لما بلغ منه الحزن غاية مبالغة بسبب فراقه ليوسف عليه السلام وانضمام فراقه لأخيه بنيامين وبلوغ ما بلغه من كونه أسيرا عند ملك مصر ، فتضاعفت أحزانه وهاج عليه الوجد القديم بما أثاره من الخبر الأخير . وقد روي عن سعيد بن جبير أن يعقوب لم يكن عنده ما ثبت في شريعتنا من الاسترجاع والصبر على المصائب ، ولو كان عنده ذلك لما قال يا أسفا على يوسف عليه السلام يعني أن الاسترجاع خاص بهذه الأمة ، ومعنى المناداة للأسف طلب حضوره كأنه قال تعال يا أسفي وأقبل عليّ وفيه شكوى إلى اللّه لا منه . وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ أي انقلب سواد عينه بياضا من كثرة البكاء قيل إنه زال إدراكه بحاسة البصر بالمرة ، قال مقاتل : لم يبصر شيئا ست سنين ، والتزمه بعضهم بناء على جواز مثل هذا على الأنبياء بعد التبليغ . وقيل كان يدرك إدراكا ضعيفا ، قال بعض أهل اللغة الحزن بالضم والسكون البكاء وبفتحتين ضد الفرح ، وقال أكثر أهل اللغة هما لغتان بمعنى ، والبكاء بالمد رفع الصوت وبالقصر نزول الدمع من غير صوت وهو المناسب هنا وهو أحد قولين والذي جرى عليه المصباح والقاموس أنه لا فرق بينهما في أن كلّا يستعمل في كليهما . وقد قيل في توجيه ما وقع من يعقوب عليه السلام من هذا الحزن العظيم المفضي إلى ذهاب بصره كلّا أو بعضا أنه إنما وقع منه ذلك لأنه علم أن يوسف عليه السلام حيّ فخاف على دينه مع كونه بأرض مصر وأهلها حينئذ كفار ، وقيل إن مجرد الحزن ليس بمحرم وإنما المحرم ما يفضي منه إلى الوله وشق الثياب والتكلم بما لا ينبغي . قال أبو السعود : وفيه دليل على جواز التأسف والبكاء عند النوائب فإن الكف