صديق الحسيني القنوجي البخاري
436
فتح البيان في مقاصد القرآن
وشدة وقيل أراد أن يحسن إليهم على وجه لا يلحقهم فيه منة ولا عيب وقيل أراد أن يريهم بره وكرمه وإحسانه إليهم ، وقيل أراد أن يكون ذلك عونا لأبيه ولإخوته على شدة الزمان ، وقيل غير ذلك ، وقيل إنه استقبح أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمن الطعام . ثم علل يوسف عليه السلام ما أمر به من جعل البضاعة في الرحال وهي معرفتهم لها فقال لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها أي بضاعتهم إِذَا انْقَلَبُوا رجعوا إِلى أَهْلِهِمْ لأنهم لا يعلمون برد البضاعة إليهم إلا عند تفريغ الأوعية التي جعلوا فيها الطعام وهم لا يفرغونها إلا عند الوصول إلى أهلهم . ثم علل معرفتهم للبضاعة المردودة إليهم المجعولة في رحالهم بقوله لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إلينا فإنهم إذا عرفوا ذلك علموا أنهم أخذوا الطعام بلا ثمن وأن ما دفعوه عوضا عنه قد رجع إليهم وتفضل به من وصلوا إليه عليهم ، نشطوا إلى العود ولا سيما مع ما هم فيه من الجدب الشديد والحاجة إلى الطعام وعدم وجوده لديهم ، فإن ذلك من أعظم ما يدعوهم إلى الرجوع ؛ وبهذا يظهر يوسف عليه السلام لم يرد البضاعة إليهم إلا لهذا المقصود وهو رجوعهم إليه فلا يتم تعليل ردها بغير ذلك . فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قبل أن يشتغلوا بفتح المتاع قالُوا يا أَبانا قدمنا على خير رجل أنزلنا وأكرمنا كرامة عظيمة فقال لهم يعقوب إذا رجعتم إلى ملك مصر فاقرأوا عليه مني السلام وقولوا إن أبانا يدعو لك بما أوليتنا فقالوا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ وأرادوا بهذا ما تقدم من قول يوسف عليه السلام فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي أي منع الكيل في المستقبل بعد هذه المرة وفيه دليل على أن الامتياز مرة بعد مرة معهود فيما بينهم وبينه ولعلهم قالوا له بهذه المقالة قبل أن يفتحوا متاعهم ويعلموا برد بضاعتهم كما يفيد ذلك قوله فيما بعد وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ [ يوسف : 65 ] الآية . ثم ذكروا له ما أمرهم به يوسف عليه السلام فقالوا فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا بنيامين إلى مصر نَكْتَلْ بسبب إرساله معنا ما نريده من الطعام وهو مجزوم في جواب الأمر وأصله نكتيل بوزن نغتنم ووزنه الآن نفتل ، وبحسب الأصل نفتعل قرأ سائر الكوفيين بالتحتية ، واختار أبو عبيدة قراءة النون قال : ليكونوا كلهم داخلين فيمن يكتال ، وزعم أنه إذا كان بالياء كان للأخ وحده أي يكتال أخونا بنيامين واعترضه النحاس بما حاصله أن إسناد الكيل إلى الأخ لا ينافي كونه للجميع والمعنى يكتال بنيامين لنا جميعا ، والقراءتان سبعيتان ، قال الزجاج : أي إن أرسلته اكتلنا وإلا منعنا الكيل وَإِنَّا لَهُ أي لبنيامين لَحافِظُونَ من أن يصيبه سوء أو مكروه . قالَ يعقوب لما قالوا له هذه المقالة هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ مستأنفة كما تقدم نظائر ذلك في مواضع كثيرة ، والمعنى أنه لا يأمنهم