صديق الحسيني القنوجي البخاري

434

فتح البيان في مقاصد القرآن

قالوا : نحن ببلاد لا يعرفنا فيها أحد فيشهد لنا . قال : فدعوا بعضكم عندي رهينا وأتوني بأخيكم من أبيكم وهو يحمل رسالة من أبيكم حتى أصدقكم ، فاقترعوا فأصاب القرعة شمعون فخلفوه عنده إذا لا يساعده ورود الأمر بالإتيان به عند التجهيز ولا الحث عليه بإيفاء الكيل ولا الإحسان في الإنزال ولا الاقتصار على منع الكيل على تقدير عدم الإتيان به ولا جعل بضاعتهم في رحالهم لأجل رجوعهم ولا عدتهم بالإتيان به بطريق المراودة ولا تعليلهم عند أبيهم إرسال أخيهم بمنع الكيل من غير ذكر الرسالة ، على أن استبقاء شمعون لو وقع لكان ذلك طامة ينسى عندها كل قيل وقال . ثم قال لهم أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ أي أتممه وجاء بصيغة الاستقبال مع كونه قال لهم هذه المقالة بعد تجهيزهم للدلالة على أن ذلك عادته المستمرة وغرضه ترغيبهم في العود إليه مرة أخرى ، ثم أخبرهم بما يزيدهم وثوقا به وتصديقا لقوله فقال : وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ أي والحال أنا خير لمن نزل بي كما فعلته بكم من حسن الضيافة وحسن الإنزال ، قال الزجاج : قال يوسف عليه السلام ذلك حين أنزلهم وأحسن ضيافتهم ، وقال ابن عباس : أنا خير من يضيف بمصر ، قال الرازي : وهذا الكلام يضعف قول من يقول من المفسرين أنه اتهمهم ونسبهم إلى أنهم جواسيس ومن يشافههم بهذا الكلام فلا يليق به أن يقول لهم ألا ترون الخ ، وأيضا يبعد من يوسف عليه السلام مع كونه صديقا أن يقول لهم ذلك مع أنه يعرف براءتهم من هذه التهمة لأن البهتان لا يليق بالصديق . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 60 إلى 64 ] فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ ( 60 ) قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ ( 61 ) وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 62 ) فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 63 ) قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 64 ) ثم توعدهم إذا لم يأتوه به فقال فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي إذا عدتم مرة أخرى بِهِ أي بأخيكم الذي من أبيكم فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي أي فلا أبيعكم شيئا فيما بعد فضلا عن إيفائه ، وأما في الحال فقد أوفاهم كيلهم ، وهذا نهاية التخويف لأنهم كانوا محتاجين إلى تحصيل الطعام ولا يمكن إلا من عنده فإذا منعهم من العود فقد ضيق عليهم . وَلا تَقْرَبُونِ أي لا تدخلوا بلادي فضلا أن أحسن إليكم ، وقيل معناه لا أنزلكم عندي كما أنزلتكم هذه المرة ولم يرد أنهم لا يقربون بلاده والمعنى لا تدنوا