صديق الحسيني القنوجي البخاري

429

فتح البيان في مقاصد القرآن

الصارفة لكل منهما إلى ما يليق به . وهذه هي المرة الثالثة من مرات مجيء الرسول ليوسف عليه السلام في السجن ، والمعنى فعلت ذلك لِيَعْلَمَ العزيز أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ في أهله بِالْغَيْبِ والمعنى بظهر الغيب ، أي وهو غائب عني أو وأنا غائب عنه . قال الزمخشري : أي مكان الغيب وهو الخفاء والاستتار وراء الأبواب السبعة المغلقة . قيل إنه قال ذلك وهو في السجن بعد أن أخبره الرسول بما قالته النسوة وما قالته امرأة العزيز ، وقيل إنه قال ذلك وقد صار عند الملك والأول أولى . وذهب الأقلون من المفسرين إلى أن هذا كلام امرأة العزيز ، والمعنى ذلك القول الذي قلته في تنزيهه والإقرار على نفسي بالمراودة ليعلم يوسف عليه السلام أني لم أخنه فأنسب إليه ما لم يكن منه وهو غائب عني أو أنا غائبة عنه . وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ أي لا يثبته ولا ينفذه ولا يمضيه ولا يسدده ، أو لا يهديهم في كيدهم حتى يوقعوه على وجه يكون له ما يثبت به ويدوم وإذا كان من قول يوسف عليه السلام ففيه تعريض بامرأة العزيز حيث وقع منه الكيد له والخيانة لزوجها ، وتعريض بالعزيز حيث ساعدها على حبسه بعد أن علم براءته ونزاهته ، ولعل المراد منه أني لو كنت خائنا لما خلصني اللّه من هذه الورطة ، وحيث خلصني منها ظهر أني كنت بريئا مما نسبوني إليه ، ثم تواضع للّه تعالى وتبارك فقال : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي وهذا إن كان من كلام يوسف عليه السلام فهو من باب الهضم للنفس وعدم التزكية لها مع أنه قد علم هو وغيره من الناس أنه بريء وظهر ذلك ظهور الشمس وأقرت به المرأة التي ادعت عليه الباطل ، ونزهته النسوة اللاتي قطعن أيديهن ، وإن كان من كلام امرأة العزيز فهو واقع على الحقيقة لأنها قد أقرت بالذنب واعترفت بالمراودة وبالافتراء على يوسف عليه السلام . وقد قيل إن هذا من قول العزيز وهو بعيد جدا ، ومعناه وما أبرّىء نفسي من سوء الظن بيوسف عليه السلام والمساعدة على حبسه بعد أن علمت براءته . إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ أي إن هذا الجنس من الأنفس البشرية شأنه الأمر بالسوء لميله إلى الشهوات وتأثيرها بالطبع وصعوبة قهرها . وكفها عن ذلك إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي أي إلا من رحم من النفوس فعصمها عن أن تكون أمارة بالسوء أو إلا وقت رحمة ربي وعصمته لها . وقيل الاستثناء منقطع والمعنى لكن رحمة ربي هي التي تكفها عن أن تكون أمارة بالسوء إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ تعليل لما قبلها . أي إن من شأنه كثرة المغفرة لعباده والرحمة لهم . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 54 إلى 59 ] وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ ( 54 ) قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ( 55 ) وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 56 ) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 57 ) وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( 58 ) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ( 59 )