صديق الحسيني القنوجي البخاري
419
فتح البيان في مقاصد القرآن
يا صاحبي في السجن لأن السجن ليس بمصحوب بل مصحوب فيه وأن ذلك من باب يا سارق الليلة وعلى الأول يكون من باب الإضافة إلى الشبيه بالمفعول به والمعنى يا ساكني السجن كقوله أصحاب الجنة وأصحاب النار قال قتادة : لما عرف يوسف أن أحدهما مقتول دعاهما إلى حظهما من ربهما وإلى نصيبهما من آخرتهما فقال : أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ الاستفهام للإنكار مع التوبيخ والتقريع ومعنى التفرق هنا هو التفرق في الذوات والصفات والعدد أي هل الأرباب المتفرقون في ذواتهم المختلفون في صفاتهم المتنافون في عددهم خَيْرٌ لكما يا صاحبي السجن أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ أي المعبود بحق المتفرد في ذاته وصفاته الذي لا ضد له ولا ند ولا شريك الْقَهَّارُ الذي لا يغالبه مغالب ولا يعانده معاند وقيل استفهام تقرير أي طلب الإقرار بجواب الاستفهام أي أقروا واعلموا أن اللّه هو الخير والأول أولى . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 40 إلى 41 ] ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 40 ) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ( 41 ) أورد يوسف عليهما هذه الحجة القاهرة على طريق الاستفهام لأنهما كانا ممن يعبد الأصنام وقد قيل إنه كان بين أيديهما أصنام يعبدونها عند أن خاطبهما بهذا الخطاب ولهذا قال لهما ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً فارغة لا مسميات لها وإن كنتم تزعمون أن لها مسميات وهي الآلهة التي تعبدونها لكنها لما كانت لا تستحق التسمية بذلك صارت الأسماء كأنها لا مسميات لها . وقيل المعنى ما تعبدون من دون اللّه إلا مسمياته أسماء وقيل خطاب لأهل السجن جميعا لا لخصوص الصاحبين ، وهذا هو الأظهر وكذلك ما بعده من الضمائر لأنه قصد خطاب صاحبي السجن ومن كان على دينهم . سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ من تلقائكم بمحض جهلكم وضلالتكم وليس لها من الإلهية شيء إلا مجرد الأسماء لكونها جمادات لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر والتقدير سميتموها آلهة من عند أنفسكم ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها أي بتلك التسمية المستتبعة للعبادة مِنْ سُلْطانٍ من حجة تدل على صحتها سُلْطانٍ أي ما الْحُكْمُ في أمر العبادة المتفرعة على تلك التسمية إِلَّا لِلَّهِ عزّ سلطانه لأنه المستحق لها بالذات إذ هو الذي خلقكم وخلق هذه الأصنام التي جعلتموها معبودة بدون حجة ولا برهان أَمَرَ أَلَّا أي بأن لا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ حسبما تقضي به قضية العقل أيضا والجملة مستأنفة أو حالية والأول هو الظاهر .