صديق الحسيني القنوجي البخاري

417

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَقالَ الْآخَرُ أي الخباز إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً ثم وصف الخبز هذا بقوله تَأْكُلُ أي تنهش الطَّيْرُ مِنْهُ ثم قالا ليوسف جميعا بعد أن قصا رؤياهما عليه نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ أي بتأويل ما قصصناه عليك من مجموع المرئيين أو بتأويل المذكور لك من كلامنا وقيل إن كل واحد منهما قال له عقب قص رؤياه عليه فيكون الضمير راجعا إلى ما رآه كل واحد منهما وقيل إن الضمير في بتأويله موضوع موضع اسم الإشارة بطريق الاستعارة فإن الإشارة يشار به إلى متعدد والتقدير بتأويل ذلك . إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ أي من الذين يحسنون عبارة الرؤيا وكذا قال الفراء : إن معناه من العالمين الذين أحسنوا العلم وقال ابن إسحاق من المحسنين إلينا إن فسرت ذلك أو من المحسنين إلى أهل السجن قد روي أنه كان كذلك قال قتادة : وكان يعزي حزنتهم ويداوي مرضاهم ورأوا منه عبادة واجتهادا فأحبوه وعن الضحاك قال : كان إحسانه إذا مرض إنسان في السجن قام عليه وإذا ضاق عليه المكان أوسع له وإذا احتاج جمع له وعن ابن عباس قال : دعا يوسف لأهل السجن فقال اللهم لا تعم عليهم الأخبار وهون عليهم مرّ الأيام . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 37 إلى 39 ] قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ( 37 ) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( 38 ) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ( 39 ) قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ من جهة اللّه أو الملك والجملة صفة لطعام إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما مستأنفة جواب سؤال مقدر ومعنى ذلك أنه يعلم شيئا من الغيب بإلهام اللّه تعالى وأنه لا يأتيهما إلى السجن طعام في اليقظة إلا أخبرهما بماهيته قبل أن يأتيهما وقيل أراد به في النوم والأول هو الأظهر وهذا ليس من جواب سؤالهما تعبير ما قصاه عليه بل جعل عليه السلام مقدمة قبل تعبيره لرؤياهما بيانا لعلو مرتبته في العلم وأنه ليس من المعبرين الذين يعبرون الرؤيا عن ظن وتخمين فهو كقول عيسى عليه السلام وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ [ آل عمران : 49 ] . وإنما قال يوسف لهما بهذا ليحصل الانقياد له منهما فيما يدعوهما إليه بعد ذلك من الإيمان باللّه والخروج من الكفر والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا يأتيكما في حال من الأحوال إلا حال ما نبأتكما أي بينت لكما ماهيته وكيفيته وسماه تأويلا بطريق المشاكلة لأن الكلام في الرؤيا أو المعنى إلا نبأتكما بما يؤول إليه الكلام من مطابقة ما أخبركما به للواقع .