صديق الحسيني القنوجي البخاري
409
فتح البيان في مقاصد القرآن
الكريم غرام امرأة العزيز بيوسف عليه السلام ، والأهاند « 1 » يذكرون العشق في تغزلاتهم من جانب المرأة بالنسبة إلى الرجل خلاف العرب ، وسببه أن المرأة في دينهم لا تنكح إلا زوجا واحدا فحظ عيشتها منوط بحياة الزوج وإذا مات تحرق نفسها معه ، والعشق بين الرجل والمرأة وضع إلهي فتارة يكون من الطرفين وتارة يكون من أحدهما وإذا لوحظ الوضع الإلهي فالمرأة معشوقة عاشقة والرجل عاشق معشوق . وأهل الهند وافقوا العرب في التغزل بالنساء بخلاف الفرس والترك فإن تغزلهم بالأمارد فقط ، ولا ذكر من المرأة في غزلهم ، ولعمر المحبة أنهم لظالمون حيث يضعون الشيء في غير موضعه كما قال سبحانه وتعالى في قوم لوط فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [ هود : 872 ، 83 ] . والعرب في التغزل بالأمارد مقلدون لهم والأصل فيهم التغزل بالنساء ومعناه التحدث بهن ، وأما الأهاند فلا يعرفون التغزل بالأمارد قطعا انتهى . هذا وقد عقد رحمه اللّه الفصل الرابع من كتابه المذكور في بيان أقسام المعشوقات والعشاق وأورد لكل قسم منهما أشعارا عجيبة وأبياتا غريبة . باعتبار الجهات المتنوعة والحيثيات المتلونة إن رآها السالي تذوب طبيعته الجامدة أو العاذل تشعل ناره الخامدة . إِنَّا لَنَراها جملة مقررة لمضمون ما قبلها أي نعلمها في فعلها هذا وهو المراودة لفتاها فِي ضَلالٍ عن طريق الرشد والصواب مُبِينٍ واضح لا يلتبس على من نظر فيه حيث تركت ما يجب على أمثالها من العفاف والستر . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 31 ] فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ( 31 ) فَلَمَّا سَمِعَتْ امرأة العزيز بِمَكْرِهِنَّ أي بغيبتهن إياها سميت الغيبة مكرا لاشتراكهما في الإخفاء وقيل أردن أن يتوسلن بذلك إلى رؤية يوسف فلهذا سمي قولهن مكرا ، وقيل إنها أسرت إليهن فأفشين سرها فسمي ذلك مكرا ، عن سفيان قال : أي بعملهن ، وكل مكر في القرآن فهو العمل . أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ أي تدعوهن إليها لتقيم عذرها عندهن ولينظرن إلى يوسف حتى يقعن فيما وقعت فيه قيل دعت أربعين امرأة من أشراف مدينتها فيهن هؤلاء اللاتي عيرنها وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً أي أعدت وأحضرت وهيأت لهن مجالس يتكئن عليها من نمارق ومسانيد وأعتدت من الاعتداد ، وهو كل ما جعلته عدة لشيء وقرىء
--> ( 1 ) الأهاند : لعله يقصد بهم الهنود أو أهل الهند .