صديق الحسيني القنوجي البخاري
404
فتح البيان في مقاصد القرآن
وعلى الجملة إن كل ذلك إلا خرافات وأباطيل تمجها الآذان وتردها العقول والأذهان ويل لمن لاكها ولفقها أو سمعها وصدقها ، والحاصل أنه رأى شيئا حال بينه وبين ما هم به واللّه أعلم بما هو وقد أطال المفسرون في تعيين البرهان الذي رآه بلا دليل يدل عليه من السنة المطهرة واختلفت أقوالهم في ذلك اختلافا كثيرا . كَذلِكَ إشارة إلى الآراء المدلول عليها بقوله رأى برهان ربه أو إلى التثبيت المفهوم من ذلك أي مثل تلك الآراء أريناه أو مثل ذلك التثبيت ثبتناه لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ أي كل ما يسوؤه وَالْفَحْشاءَ هو كل أمر مفرط القبح وقيل السوء الخيانة للعزيز في أهله والفحشاء الزنا وقيل السوء الشهوة والفحشاء المباشرة وقيل السوء الثناء القبيح والأولى الحمل على العموم فيدخل فيه ما يدل عليه السياق دخولا أوليا قال أبو السعود : وفيه آية بينة وحجة قاطعة على أنه عليه الصلاة والسلام لم يقع منه هم بالمعصية ولا توجه إليها قط وإلا لقيل لنصرفه عن السوء والفحشاء وإنما توجه إليه ذلك من خارج فصرفه اللّه تعالى عنه بما فيه من موجبات العفة والعصمة فتأمل . إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ تعليل لما قبله قرىء بكسر اللام وفتحها وهي سبعية والمعنى على الأولى أن يوسف كان ممن أخلص طاعته للّه وعلى الثانية أنه كان ممن استخلصه اللّه للرسالة وقد بان عليه السلام مخلصا مستخلصا وعلى كلا المعنيين فهو منتظم في سلكهم داخل في زمرتهم من أول أمره بقضية الجملة الاسمية لا أن ذلك حدث له بعد أن لم يكن كذلك فانحسم مادة احتمال صدور الهم بالسوء منه عليه السلام بالكلية . قال الخفاجي : قيل فيه إن كل من له دخل في هذه القصة شهد ببراءته فشهد اللّه بقوله لنصرف الخ وشهد هو على نفسه بقوله هي راودتني ونحوه وشهدت زليخا بقولها ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ، وسيدها بقوله إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ [ يوسف : 29 ] وإبليس بقوله لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * فتضمن إخباره بأنه لم يغوه ومع هذا كله لم يبرئه أهل القصص كما قيل : وكنت فتى من جند إبليس فارتقى * بي الحال حتى صار إبليس من جندي [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 25 إلى 27 ] وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 25 ) قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ ( 26 ) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 27 ) وَاسْتَبَقَا الْبابَ أي تسابقا إليه وهذا كلام متصل بقوله وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ