صديق الحسيني القنوجي البخاري

402

فتح البيان في مقاصد القرآن

ببعض الأسباب التي هي أقرب إلى فهم امرأة العزيز وقيل الضمير للشأن فكأنه قيل إن الشأن الخطير هذا وهو ربي أي سيدي الذي رباني العزيز أَحْسَنَ مَثْوايَ حيث أمرك بقوله أكرمي مثواه فكيف أخونه في أهله وأجيبك إلى ما تريدين من ذلك وقال الزجاج : إن الضمير للّه سبحانه أي إن اللّه ربي تولاني بلطفه فلا أركب ما حرمه . قال مجاهد والسدي وابن إسحاق : يبعد جدا أن يطلق نبي كريم على مخلوق أنه ربه ولو بمعنى السيد لأنه ليس مملوكا في الحقيقة والأول فيه إرشادها إلى رعاية حق العزيز بألطف وجه إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ تعليل آخر للامتناع منه عن إجابتها ، والفلاح الظفر والمعنى أنه لا يظفر الظالمون بمطالبهم ومن جملة الظالمين الواقعون في مثل هذه المعصية التي تطلبها امرأة العزيز من يوسف وقيل معناه أنه لا يسعد الزناة . [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 24 ] وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ ( 24 ) وَلَقَدْ لام قسم هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها يقال هم بالأمر إذا قصده وعزم عليه والمعنى أنه هم بمخالطتها كما همت بمخالطته ومال كل واحد منهما إلى الآخر بمقتضى الطبيعة البشرية والجبلة الخلقية ولم يكن من يوسف عليه الصلاة والسلام القصد إلى ذلك اختيارا كما يفيده ما تقدم من استعاذته باللّه وإن ذلك نوع من الظلم بل قصد من غير رضا ولا عزم ولا تصميم ، والقصد على هذا الوجه لا مؤاخذة فيه فلا خلاف في أن يوسف لم يأت بفاحشة وإنما الخلاف في وقوع الهم . ولما كان الأنبياء معصومين عن الهم بالمعصية والقصد إليها أيضا تكلم أهل العلم في تفسير هذه الآية بما فيه نوع تكلف فمن ذلك ما قاله أبو حاتم قال : كنت أقرأ على أبي عبيدة غريب القرآن فلما أتيت على قوله : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها قال : هذا على التقديم والتأخير كأنه قال ولقد همت به ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها ، وقال أحمد بن يحيى ثعلب : أي همت زليخا بالمعصية وكانت مصرة وهم يوسف ولم يوقع ما هم به فبين الهمين فرق ومن هذا قول الشاعر : هممت بهم من ثنية لؤلؤ * شفيت غليلات الهوى من فؤاديا فهذا إنما هو حديث نفس من غير عزم ، وقيل هم بها أي هم بضربها وقيل هم بمعنى تمنى أن يتزوجها وقد ذهب جمهور المفسرين من السلف والخلف إلى ما قدمنا من حمل اللفظ على معناه اللغوي . ويدل على هذا قوله الآتي ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وقوله : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [ يوسف : 53 ] ومجرد الهم لا ينافي العصمة فإنها قد وقعت العصمة عن الوقوع في المعصية وذلك المطلوب .