صديق الحسيني القنوجي البخاري

394

فتح البيان في مقاصد القرآن

فعلوا فعل من يبكي ترويجا لكذبهم وتنفيقا لمكرهم وغدرهم فلما وصلوا إلى أبيهم قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ أي نتسابق في العدو أو في الرمي ، وقيل ننتضل بالسهام ، ويؤيده قراءة ابن مسعود ننتضل ، قال الزجاج : وهو نوع من المسابقة ، وقال الأزهري : النضال في السهام والرهان في الخيل والمسابقة تجمعهما . قال القشيري : نستبق أي في الرمي أو على الفرس أو على الأقدام والغرض من المسابقة التدرب بذلك في القتال ، وقال السدي : يعني نشتد ونعدو وقال مقاتل : نتصيد أي نستبق إلى الصيد وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا أي ثيابنا ليحرسها فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ الفاء للتعقيب أي أكله عقب ذلك وقد اعتذروا إليه بما خافه سابقا عليه ورب كلمة تقول لصاحبها دعني . وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ أي بمصدق لَنا في هذا العذر الذي أبدينا والكلمة التي قلناها ، وفي هذا الكلام منهم فتح باب اتهامهم كما لا يخفى على صاحب الذوق وَلَوْ كُنَّا عندك أو في الواقع صادِقِينَ لما قد علق بقلبك من التهمة لنا في ذلك مع شدة محبتك له ، قال الزجاج : والمعنى ولو كنا عندك من أهل الثقة والصدق ما صدقتنا في هذه القصة لشدة محبتك ليوسف وكذا ذكره ابن جرير وغيره . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 18 إلى 19 ] وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ( 18 ) وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 19 ) وَجاؤُ عَلى فوق قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ وصف الدم بأنه كذب مبالغة كما هو المعروف في وصف اسم العين باسم المعنى فكأنه نفسه صار كذبا أو قيل المعنى بدم ذي كذب أو بدم مكذوب فيه ، قال ابن عباس ومجاهد : كان دم سخلة ، وقرأ الحسن وعائشة : بدم كدب بالدال المهملة أي بدم طري يقال للدم الطري كدب ، وقال الشعبي : إنه المتغير والكذب أيضا البياض الذي يخرج في إظفار الأحداث فيجوز أن يكون شبه الدم في القميص بالبياض الذي يخرج في الظفر من جهة اللونين . وقد استدل يعقوب على كذبهم بصحة القميص وقال لهم متى كان هذا الذئب حكيما يأكل يوسف ولا يخرق القميص . ثم ذكر اللّه سبحانه ما أجاب به يعقوب عليه السلام فقال قالَ بَلْ سَوَّلَتْ أي زينت وسهلت وأمرت لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً قال النيسابوري : التسويل تقرير معنى في النفس مع الطمع في إتمامه وهو تفعيل من السول وهو الأمنية قال الأزهري . وأصله مهموز غير أن العرب استثقلوا فيه الهمزة وفي الشهاب من السول بفتحتين وهو استرخاء العصب ونحوه فكأن المسول بذله فيما حرص عليه .