صديق الحسيني القنوجي البخاري

391

فتح البيان في مقاصد القرآن

ورد بأن الأنبياء معصومون عن مثل هذه المعصية الكبيرة المتبالغة في الكبر مع ما في ذلك من قطع الرحم وعقوق الوالد وافتراء الكذب ، وقلة الرأفة بالصغير الذي لا ذنب له والغدر بالأمانة وترك العهد ، وقيل عزموا على قتله وعصمهم اللّه رحمة بهم ، ولو فعلوا ذلك لهلكوا جميعا ، وقيل إنهم لم يكونوا في ذلك الوقت أنبياء بل صاروا أنبياء من بعد وكان كل ذلك قبل أن ينهاهم اللّه . ولما أجمع رأيهم على أن يلقوه في غيابات الجب جاؤوا إلى أبيهم وخاطبوه بلفظ الأبوة استعطافا له وتحريكا للحنو الذي جبلت عليه طبائع الآباء للأبناء وتوسلا بذلك إلى تمام ما يريدونه من الكيد الذي دبروه واستفهموه استفهام المنكر لأمر ينبغي أن يكون الواقع على خلافه . قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ أي أي شيء لك لا تجعلنا أمناء عليه وكأنهم قد كانوا سألوه قبل ذلك أن يخرج معهم يوسف ، فأبى قرىء تأمنا بالإظهار وبالإدغام من غير إشمام واتفق الجمهور على الإخفاء أو الإشمام وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ في حفظه وحيطته عاطفون عليه قائمون بمصلحته حتى نرده إليك . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 12 إلى 14 ] أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 12 ) قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ ( 13 ) قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ ( 14 ) أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً أي في غد إلى الصحراء التي أرادوا الخروج إليها وغدا ظرف والأصل عند سيبويه غدوة وقال النضر بن شميل ما بين الفجر وطلوع الشمس يقال له غدوة وكذا يقال له بكرة والغد اليوم الذي بعد يومك الذي أنت فيه يَرْتَعْ هذا جواب الأمر ، قرىء بالنون وإسكان العين وبها وكسر العين إسنادا للكل والأولى مأخوذ من قول العرب رتع الإنسان أو البعير إذا أكل كيف شاء . والمعنى يتسع في الخصب ، وكل مخصب راتع والرتع التمتع في أكل الفواكه ونحوها والثانية مأخوذة من رعي الغنم وقرىء بالتحتية فيهما ورفع يلعب على الاستئناف والضمير ليوسف وقال القتيبي : معنى نرتع نتحارس ونتحافظ ويرعى بعضنا بعضا من قولهم رعاك اللّه أي حفظك . وَيَلْعَبْ من اللعب قيل لأبي عمرو بن العلاء : كيف قالوا نلعب وهم أنبياء فقال : لم يكونوا يومئذ أنبياء وقيل المراد به اللعب المباح وهو مجرد الانبساط لانشراح الصدر وقيل هو اللعب الذي يتعلمون به الحرب ويتقوون به عليه ، وكان اللعب بالاستباق والانتضال تمرينا لقتال الأعداء كما في قولهم إنا ذهبنا نستبق لا