صديق الحسيني القنوجي البخاري

389

فتح البيان في مقاصد القرآن

مِنَّا مع تعدد المبتدأ لأن أفعل التفضيل يستوي فيه الواحد وما فوقه إذا لم يعرف وهو مبني من حب المبني للمفعول وهو شاذ قياسا فصيح استعمالا لوروده في أفصح الفصيح وإذا بنيت أفعل التفضيل من مادة الحب والبغض تعدى إلى الفاعل المعنوي بإلى وإلى المفعول المعنوي باللام أو بفي وعلى هذا جاءت الآية الكريمة . وإنما قالوا هذا لأنه بلغهم خبر الرؤيا فأجمع رأيهم على كيده . وَنَحْنُ عُصْبَةٌ الواو للحال والعصبة الجماعة قيل وهي ما بين الواحد إلى العشرة وقيل ما بين الثلاثة إلى العشرة وقيل هي العشرة فما زاد وقيل من العشرة إلى خمسة عشر وقيل ستة وقيل تسعة وقيل من العشرة إلى الأربعين قاله قتادة . والمادة تدل على الإحاطة من العصابة لإحاطتها بالرأس وقيل الأصل فيه إن كل جماعة يتعصب بعضهم لبعض يسمون عصبة والعصبة لا واحد لها من لفظها بل هي كالنفر والرهط وقد كانوا عشرة . إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي لفي ذهاب عن وجه التدبير بالترجيح لهما علينا وإيثارهما دوننا مع استوائنا في الانتساب إليه ولا يصح أن يكون مرادهم أنه في دينه في ضلال إذ لو أرادوا ذلك لكفروا به قال ابن زيد : أي لفي خطأ من رأيه . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 9 إلى 11 ] اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ ( 9 ) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ( 10 ) قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ ( 11 ) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً أي في أرض وإليه ذهب الحوفي وابن عطية وقال الزمخشري : أي أرضا منكورة مجهولة بعيدة من العمران وهو معنى تنكيرها وإخلائها من الناس ولأنها من هذا الوجه نصبت نصب الظروف المبهمة وقيل إنها مفعول ثان والمعنى أنزلوه أرضا والطرح الرمي ويعبر به عن الاقتحام في المخاوف يعني قالوا : افعلوا به أحد الأمرين إما القتل أو الطرح في أرض أو المشير بالقتل بعضهم ، والمشير بالطرح البعض الآخر أو كان المتكلم بذلك واحدا منهم فوافقه الباقون ، فكانوا كالقاتل في نسبة هذا المقول إليهم وجواب الأمر . يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ أي يصف ويخلص فيقبل عليكم ويحبكم حبا كاملا لأن الرجل إذا أقبل على الشيء أقبل بوجهه وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ أي بعد يوسف والمراد بعد الفراغ من قتله أو طرحه وقيل من بعد الذنب الذي اقترفتموه في يوسف قَوْماً صالِحِينَ في أمور دينكم وطاعة أبيكم أو صالحين في أمور دنياكم بذهاب ما كان يشغلكم عن ذلك وهو الحسد ليوسف وتكدر خواطركم بتأثيره عليكم هو وأخوه ، أو صالحين مع أبيكم بعذر تمهدونه أو المراد بالصالحين التائبون من الذنب في المستقبل .