صديق الحسيني القنوجي البخاري
380
فتح البيان في مقاصد القرآن
كونه قد جاء في غيرها من السور لقصد بيان اشتمالها على ذلك لا بيان كونه موجودا فيها دون غيرها . وقيل لأنها جمعت من اهلاك الأمم وشرح حالهم ما لم يجمع غيرها ، وقيل خصها بالذكر تشريفا لها والتعريف في الحق إما للجنس أو للعهد وإنما عرفه ونكر تالييه تفخيما له لكونه يطلق على اللّه بخلاف تالييه . وَمَوْعِظَةٌ يتعظ بها الواقف عليها إذا تذكر أحوال الأمم الماضية وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ أي يتذكر بها من تفكر فيها منهم ، وخص المؤمنين لكونهم المتأهلين للاتعاظ والتذكر . وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بهذا الحق ولا يتعظون ولا يتذكرون اعْمَلُوا حال كونكم قارين وثابتين عَلى مَكانَتِكُمْ على تمكنكم وحالكم وجهتكم من الكفر وقد تقدم تحقيقه . وقال قتادة : على منازلكم إِنَّا عامِلُونَ على مكانتنا وحالنا وجهتنا من الإيمان بالحق والاتعاظ والتذكر وفي هذا تشديد للوعيد وتهديد لهم . وَانْتَظِرُوا عاقبة أمرنا ، وقال ابن جريج : انتظروا مواعيد الشيطان إياكم على ما يزين لكم إِنَّا مُنْتَظِرُونَ عاقبة أمركم وما يحل بكم من عذاب اللّه وعقوبته وفيه من الوعيد والتهديد ما لا يخفى . وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي علم جميع ما هو غائب عن العباد فيهما وخص الغيب مع كونه يعلم ، بما هو مشهود كما يعلم بما هو مغيب لكونه من العلم الذي لا يشاركه فيه غيره . وقيل إن غيب السماوات والأرض نزول العذاب من السماء وطلوعه من الأرض ، والأول أولى ؛ وبه قال أبو علي الفارسي وغيره وأضاف الغيب إلى المفعول توسعا . وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ بالبناء للفاعل يعود وللمفعول يردّ الْأَمْرُ كُلُّهُ أي أمر الخلق كلهم في الدنيا والآخرة فيجازي كلّا بعمله فينتقم ممن عصى ويثيب من أطاع . وقال ابن جريج : فيقضي بينهم بحكم العدل فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ فإنه كافيك كل ما تكره ومعطيك كل ما تحب والفاء لترتيب الأمر بالعبادة والتوكل على كون مرجع الأمور كلها إلى اللّه سبحانه قيل هذا الخطاب له ولجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم وفي تأخير الأمر بالتوكل عن الأمر بالعبادة إشعار بأنه لا ينفع دونها . وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ بل عالم بجميع ذلك ومجاز عليه إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا ، وقرأ أهل المدينة والشام وحفص بالفوقية على الخطاب وهي سبعية والباقون بالتحتية وهم الجمهور :