صديق الحسيني القنوجي البخاري

371

فتح البيان في مقاصد القرآن

المواصلة لهم لولا جلب تلك المصلحة أو دفع تلك المفسدة ، فعلى فرض صدق مسمى الركون على هذا فهو مخصص بالأدلة الدالة على مشروعية جلب المصالح ودفع المفاسد ، والأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ، ولا تخفى على اللّه خافية . وبالجملة فمن ابتلى بمخالطة من فيه ظلم فعليه أن يزن أقواله وأفعاله وما يأتي وما يذر بميزان الشرع ، فإن زاغ عن ذلك فعلى نفسها براقش تجني ، ومن قدر على الفرار منهم قبل أن يؤمر من جهتهم بأمر يجب عليه طاعته فهو الأولى له والأليق به . يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين اجعلنا من عبادك الصالحين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر الذين لا يخافون فيك لومة لائم وقونا على ذلك ويسره لنا وأعنا عليه . قال القرطبي في تفسيره : وصحبة الظالم على التقية مستثناة من النهي بحال الاضطرار انتهى . وقال النيسابوري في تفسيره : قال المحققون : الركون المنهي ، عنه هو الرضا بما عليه الظلمة أو تحسين الطريقة وتزيينها عند غيرهم ومشاركتهم في شيء من تلك الأبواب ، فأما مداخلتهم لدفع شيء من الضرر واجتلاب منفعة عاجلة فغير داخلة في الركون . قال : وأقول هذا من طريق المعاش والرخصة ومقتضى التقوى هو الاجتناب عنهم بالكلية ، أليس اللّه بكاف عبده . اه . فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ بحرها بسبب الركون إليهم ، وفيه إشارة إلى أن الظلمة أهل النار أو كالنار ، ومصاحبة النار توجب لا محالة مس النار ، قيل هذا فيمن ركن إلى من ظلم فكيف بالظالم . والجملة حالية أو مستأنفة . قال أبو السعود : وإذا كان حال الميل في الجملة إلى من وجد منه ظلم ما في الافضاء إلى مساس النار هكذا ، فما ظنك بمن يميل إلى الراسخين في الظلم والعدوان ميلا عظيما ويتهالك على مصاحبتهم ومنادمتهم ويلقي شراشره على مؤانستهم ومعاشرتهم ويبتهج بالتزيي بزيهم ؛ ويمد عينيه إلى زهرتهم الفانية ، ويغبطهم بما أوتوا من القطوف الدانية ، وهو في الحقيقة من الحبة طفيف ، ومن جناح البعوض خفيف ، بمعزل عن أن تميل إليه القلوب ، ضعف الطالب والمطلوب . والآية أبلغ ما يتصور في النهي عن الظلم والتهديد عليه ، وخطاب الرسول صلى اللّه عليه وسلم ومن معه من المؤمنين تثبيت على الاستقامة التي هي العدل ، فإن الميل إلى أحد طرفي الافراط والتفريط ظلم على نفسه أو غيره . انتهى . وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ إن ركنتم إليهم ، والمعنى انها تمسكم النار حال عدم وجود من ينصركم وينقذكم منها ، ونفي الأولياء ليس بطريق نفي أن يكون لكل واحد منهم أولياء حتى يصدق أن يكون له ولي بل لمكان لكم بطريق انقسام