صديق الحسيني القنوجي البخاري

83

فتح البيان في مقاصد القرآن

قالوا فأمره بالوضوء لأنه لمس المرأة ولم يجامعها ، فلا يخفاك أنه لا دلالة لهذا الحديث على محل النزاع فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم إنما أمره بالوضوء ليأتي بالصلاة التي ذكرها اللّه سبحانه في هذه الآية إذ لا صلاة إلا بوضوء . وأيضا فالحديث منقطع لأنه من رواية ابن أبي ليلى عن معاذ ولم يلقه . وإذا عرفت هذا فالأصل البراءة عن هذا الحكم فلا يثبت إلا بدليل خالص عن الشوائب الموجبة لقصوره عن الحجة ، وأيضا قد ثبت عن عائشة من طرق أنها قالت كان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يتوضأ ثم يقبّل ثم يصلي ولا يتوضأ « 1 » ، وقد روي هذا الحديث بألفاظ مختلفة رواه أحمد وابن أبي شيبة وأبي داود والنسائي وابن ماجة . فَلَمْ تَجِدُوا ماءً تتطهرون به للصلاة بعد الطلب والتفتيش ، وهذا القيد إن كان راجعا إلى جميع ما تقدم مما هو مذكور بعد الشرط وهو المرض والسفر والمجيء من الغائط وملامسة النساء كان فيه دليل على أن المرض والسفر بمجردهما لا يسوغان التيمم ، بل لا بد مع وجود أحد السببين من عدم الماء فلا يجوز للمريض والمسافر أن يتيمما إلا إذا لم يجدا ماء . ولكنه يشكل على هذا أن الصحيح والمقيم كالمريض والمسافر إذا لم يجدا الماء تيمما ، فلا بد من فائدة في التنصيص على المرض والسفر ، فقيل وجه التنصيص عليهما أن المرض مظنّة للعجز عن الوصول إلى الماء وكذلك المسافر عدم الماء في حقّه غالب . وإن كان راجعا إلى الصورتين الأخيرتين أعني قوله : أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ كما قال بعض المفسرين كان فيه إشكال وهو أن من صدق عليه اسم المريض أو المسافر جاز له التيمم وإن كان واجدا للماء قادرا على استعماله ، وقد قيل : إنه رجع هذا القيد إلى الأخيرين مع كونه معتبرا في الأولين لندرة وقوعه فيهما ، وأنت خبير بأن هذا كلام ساقط وتوجيه بارد . وقال مالك : ومن تابعه ذكر اللّه المرض والسفر في شرط التيمم اعتبارا بالأغلب فيمن لم يجد الماء بخلاف الحاضر فإن الغالب وجوده فلذلك لم ينص اللّه سبحانه عليه اه . والظاهر أن المرض بمجرده مسوغ للتيمم وإن كان الماء موجودا إذا كان يتضرر باستعماله في الحال أو في المال ولا تعتبر خشية التلف ، فاللّه سبحانه يقول : يُرِيدُ

--> ( 1 ) أخرجه النسائي في الطهارة باب 120 ، وابن ماجة في الطهارة باب 69 ، وأحمد في المسند 6 / 62 .