صديق الحسيني القنوجي البخاري

8

فتح البيان في مقاصد القرآن

ظريف وكريم ، وقيل هي لنوع من يعقل ، فالمعنى فانكحوا النوع الطيب من النساء أي الحلال وما حرمه اللّه فليس بطيب ، وقيل إن ( ما ) هنا مديّة أي ما دمتم مستحسنين للنكاح ، وضعفه ابن عطية . قال الفراء : إن ( ما ) ههنا مصدرية ، قال النحاس : وهذا بعيد جدا ، وقيل إنها نكرة موصوفة أي انكحوا جنسا طيبا وعددا طيبا ، والأول أولى ، وقرىء فانكحوا من طاب لكم . وقد اتفق أهل العلم على أن هذا الشرط المذكور في الآية لا مفهوم له ، وأنه يجوز لمن لم يخف أن يقسط في اليتامى أن ينكح أكثر من واحدة . و « من » في قوله مِنَ النِّساءِ إما بيانية أو تبعيضية لأن المراد غير اليتائم بشهادة قرينة المقام أي فانكحوا من استطابتها نفوسكم من الأجنبيات ، وفي ايثار الأمر بنكاحهن على النهي عن نكاح اليتامى مع أنه المقصود بالذات مزيد لطف في استنزالهم ، فإن النفس مجبولة على الحرص على ما منعت منه . على أن وصف النساء بالطيب على الوجه الذي أشير إليه ، فيه مبالغة في الاستمالة إليهن ، والترغيب فيهن ، وكل ذلك للاعتناء بصرفهم عن نكاح اليتامى وهو السر في توجيه النهي الضمني إلى النكاح المترقب . مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ أي اثنتين اثنتين ، وثلاثا ثلاثا ، وأربعا أربعا ، وهذه الألفاظ المعدولة فيها خلاف ، وهل يجوز فيها القياس أو يقتصر فيها على السماع ، فالأول قول الكوفيين وأبي إسحق وغيره ، والثاني قول البصريين . والمسموع من ذلك أحد عشر لفظا أحاد وموحد ، وثناء ومثنى ، وثلاث ومثلث ، ورباع ومربع ، ومخمس ، وعشار ومعشر ، ولم يسمع خماس ولا غيره من بقية العقد . وجمهور النحاة على منع صرفها وأجاز الفراء صرفها وإن كان المنع عنده أولى . وقد استدل بالآية على تحريم ما زاد على الأربع . وبينوا ذلك بأنه خطاب لجميع الأمة ، وأن كل ناكح له أن يختار ما أراد من هذا العدد كما يقال للجماعة اقتسموا هذا المال وهو ألف درهم أو هذا المال الذي في البدرة درهمين درهمين ، وثلاثة ثلاثة ، وأربعة أربعة . وهذا مسلّم إذا كان المقسوم قد ذكرت جملته أو عيّن مكانه ، أما لو كان مطلقا كما يقال اقتسموا الدراهم ، ويراد به ما كسبوه فليس المعنى هكذا ، والآية من الباب الآخر لا من الباب الأول ، على أن من قال لقوم يقتسمون مالا معينا كبيرا اقتسموه مثنى وثلاث ورباع فقسموا بعضه بينهم درهمين درهمين وبعضه ثلاثة ثلاثة وبعضه أربعة أربعة كان هذا هو المعنى العربي .