صديق الحسيني القنوجي البخاري

73

فتح البيان في مقاصد القرآن

وروي عن الزهري نحوه ، وقيل من سمع إقامة الصلاة ، وقيل إذا جمعتهما محلة وقيل من سمع النداء . والأولى أن يرجع في معنى الجار إلى الشرع فإن وجد فيه ما يقتضي بيانه وأنه يكون جار إلى حد كذا من الدور أو من مسافة الأرض ، كان العمل عليه متعينا ، وإن لم يوجد رجع إلى معناه لغة أو عرفا ، ولم يأت في الشرع ما يفيد أن الجار هو الذي بينه وبين جاره مقدار كذا ، ولا ورد في لغة العرب أيضا ما يفيد ذلك ، بل المراد بالجار في اللغة المجاور ويطلق على معان . قال في القاموس : الجار المجاور ، والذي أجرته من أن يظلم ، والمجير والمستجير والشريك في التجارة وزوج المرأة وهي جارته ، وفرج المرأة وما قرب من المنازل والاست كالجارة والمقاسم والحليف والناصر انتهى . قال القرطبي في تفسيره : وروي أن رجلا جاء النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال : إني نزلت محلة قوم وإن أقربهم إلي جوارا أشدهم لي أذى فبعث النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أبا بكر وعمر وعليا يصيحون على أبواب المساجد ألا إن أربعين دارا جار ، « ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه » « 1 » اه . قال الشوكاني : ولو ثبت هذا لكان مغنيا عن غيره ، ولكنه رواه كما ترى من غير عزو له إلى أحد كتب الحديث المعروفة ، وهو وإن كان إماما في علم الرواية فلا تقوم الحجة بما يرويه بغير سند مذكور ، ولا نقل عن كتاب مشهور ، ولا سيما وهو يذكر الواهيات كثيرا كما يفعل في تذكرته انتهى . أقول هذا الحديث بلفظه أخرجه الطبراني كما ذكر في الترغيب والترهيب وروى السيوطي في الجامع الصغير « الجوار أربعون دارا » أخرجه البيهقي عن عائشة . قال المناوي في شرحه : وروي عن عائشة أوصاني جبريل بالجار إلى أربعين دارا ، وكلاهما ضعيف ، والمعروف المرسل الذي أخرجه أبو داود ، وهكذا نقل عن السيوطي ثم قال : ولفظ مرسل أبي داود حق الجوار أربعون دارا هكذا وهكذا ، وأشار قداما ويمينا وخلفا . قال الزركشي : سنده صحيح . قال ابن حجر : رجاله ثقات ، ورواه أبو يعلى عن أبي هريرة مرفوعا باللفظ المذكور ولكن سنده كما قال الزركشي ضعيف ، قال ابن حجر : فيه عبد السلام بن أبي الحبوب منكر الحديث انتهى . فهذا يؤيد أصل ما نقله القرطبي واللّه أعلم .

--> ( 1 ) روي الحديث بلفظ : « لا يؤمن الذي لا يأمن جاره بوائقه » ، أخرجه بهذا اللفظ البخاري في الأدب باب 29 ، ومسلم في الإيمان حديث 73 ، والترمذي في القيامة باب 60 ، وأحمد في المسند 1 / 387 ، 2 / 288 ، 336 ، 373 ، 3 / 154 ، 4 / 31 ، 6 / 385 .