صديق الحسيني القنوجي البخاري
69
فتح البيان في مقاصد القرآن
القرآني أنه يجوز للزوج أن يفعل جميع هذه الأمور عند مخافة النشوز ، وقيل حكم الآية مشروع على الترتيب وإن دلّ ظاهر العطف بالواو على الجمع لأن الترتيب مستفاد من قرينة المقام ، وسوق الكلام للرفق في إصلاحهن وإدخالهن تحت الطاعة . فالأمور الثلاثة مرتبة أي لأنها لدفع الضرر كدفع الصائل فاعتبر فيها الأخف فالأخف وقيل إنه لا يهجرها إلا بعد عدم تأثير الوعظ فإن أثّر الوعظ لم ينتقل إلى الهجر ، وإن كفاه الهجر لم ينتقل إلى الضرب ، وقال الشافعي : الضرب مباح وتركه أفضل ، وفي الجمل : إن كلا من الهجر والضرب مقيد بعلم النشوز ، ولا يجوز بمجرد الظن . فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ كما يجب وقمن لواجب حقكم وتركن النشوز فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا أي لا تتعرضوا لهن بشيء مما يكرهن لا بقول ولا بفعل ، وقيل المعنى لا تكلفوهن الحب لكم فإنه لا يدخل تحت اختيارهن إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً إشارة إلى الأزواج بخفض الجناح ولين الجانب أي وإن كنتم تقدرون عليهن فاذكروا قدرة اللّه عليكم فإنها فوق كل قدرة وهو بالمرصاد لكم . عن ابن عباس قال : تلك المرأة تنشز وتستخفّ بحق زوجها ولا تطيع أمره ، فأمره اللّه أن يعظها ويذكرها باللّه ويعظم حقه عليها فإن قبلت وإلا هجرها في المضجع ولا يكلمها من غير أن يذر نكاحها ، وذلك عليها شديد فإن رجعت وإلا ضربها ضربا غير مبرح ولا يكسر لها عظما ولا يجرح لها جرحا فإن أطاعتك فلا تجني عليها العلل ، وعنه قال يهجرها بلسانه ويغلظ لها بالقول ولا يدع الجماع ، وسئل عن ضرب غير مبرح فقال : بالسواك ونحوه . وقد أخرج الترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة عن عمرو بن الأحوص أنه شهد خطبة الوداع مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وفيها أنه قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « ألا واستوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عوان عندكم ، ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح ، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا » « 1 » . وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد اللّه بن زمعة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أيضرب أحدكم امرأته كما يضرب العبد ثم يجامعها في آخر اليوم » « 2 » . وفي هذه دليل على أن الأولى ترك الضرب للنساء فإن احتاج فلا يوالي بالضرب على موضع واحد من بدنها وليتّق الوجه لأنه مجمع المحاسن ، ولا يبلغ بالضرب عشرة أسواط ، وقيل ينبغي أن يكون الضرب بالمنديل واليد ، ولا يضرب بالسوط والعصا .
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في الرضاع باب 11 ، وتفسير سورة 9 باب 2 ، وابن ماجة في النكاح باب 3 . ( 2 ) أخرجه البخاري في النكاح باب 93 .