صديق الحسيني القنوجي البخاري

68

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَبِما أَنْفَقُوا أي وبسبب الإنفاق وبما دفعوه في مهورهن مِنْ أَمْوالِهِمْ وكذلك ما ينفقونه في الجهاد وما يلزمهم في العقل والدية ، وقد استدلّ جماعة من العلماء بهذه الآية على جواز فسخ النكاح إذا عجز الزوج عن نفقة زوجته وكسوتها ، وبه قال مالك والشافعي وغيرهما . فَالصَّالِحاتُ أي المحسنات العاملات بالخير من النساء قانِتاتٌ أي مطيعات للّه قائمات بما يجب عليهن من حقوق اللّه وحقوق أزواجهن حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ لما يجب حفظه عند غيبة أزواجهن عنهن من حفظ نفوسهن وفروجهن وحفظ أموالهن . و « ما » في قوله : بِما حَفِظَ اللَّهُ مصدرية أي بحفظ اللّه إياهن ومعونته وتسديده أو حافظات له بما استحفظهن من أداء الأمانة إلى أزواجهن على الوجه الذي أمر اللّه به ، أو حافظات له بحفظ اللّه لهن بما أوصى به الأزواج في شأنهن من حسن العشرة . وقرىء بما حفظ اللّه بنصب الاسم الشريف والمعنى بما حفظن أمر اللّه أو دينه فحذف الضمير الراجع إليهن للعلم به ، وما على هذه القراءة مصدرية أو موصولة كالقراءة الأولى ، أي بحفظهن اللّه أو بالذي حفظن اللّه به وقال السدي : تحفظ على زوجها ماله وفرجها حتى يرجع كما أمرها اللّه . وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ هذا خطاب للأزواج ، قيل الخوف هنا على بابه وهو حالة تحدث في القلب عند حدوث أمر مكروه أو عند ظن حدوثه ، وقيل المراد بالخوف هنا العلم ، والنشوز العصيان وقد تقدم بيان أصل معناه في اللغة . قال ابن فارس : يقال نشزت المرأة استصعبت على بعلها ، ونشز بعلها عليها إذا ضربها وجفاها ، ودلالات النشوز تكون بالقول وبالفعل بأن رفعت صوتها عليه ولم تجبه إذا دعاها ، ولم تبادر إلى أمره إذا أمرها ، أو لا تخضع له إذا خاطبها أو لا تقوم له إذا دخل عليها . فَعِظُوهُنَّ أي ذكروهن بما أوجبه اللّه عليهن من الطاعة وحسن المعاشرة ورغّبوهن ورهّبوهن إذا ظهر منهن أمارات النشوز وهو أن يقول لها اتقي اللّه وخافيه فإن لي عليك حقا ، وارجعي عما أنت عليه ، واعلمي أن طاعتي فرض عليك ونحو ذلك ، فإن أصرت على ذلك هجرها في المضجع كما قال تعالى : وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ يقال هجره أي تباعد منه ، والمضاجع جمع مضجع وهو محلّ الاضطجاع أي تباعدوا عن مضاجعتهن ولا تدخلوهن تحت ما تجعلونه عليكم حال الاضطجاع من الثياب ، وقيل هو أن يوليها ظهره عند الاضطجاع في الفراش ، وقيل هو كناية عن ترك جماعها ، وقيل لا تبيت معه في البيت الذي يضطجع فيه . وَاضْرِبُوهُنَّ إن لم ينزعن بالهجران ضربا غير مبرح ولا شائن ، وظاهر النظم