صديق الحسيني القنوجي البخاري
637
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقيل هي محكمة قاله مجاهد وقتادة وقيل أول هذه الآية وآخرها منسوخ وأوسطها محكم ، قال الشعبي : لما أنزل اللّه هذه الآية قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : ما هذا يا جبريل قال : لا أدري حتى أسأل العالم فذهب ثم رجع فقال : إن اللّه أمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك أخرجه ابن جرير وابن المنذر وغيرهما ، وعن قيس بن سعد بن عبادة قال : لما نظر رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى حمزة بن عبد المطلب قال : واللّه لأمثلن بسبعين منهم فجاءه جبريل بهذه الآية أخرجه ابن مردويه . وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ النزغ الوسوسة وكذا الغز والنخس والنسغ ، قال الزجاج : النزغ أدنى حركة تكون ومن الشيطان أدنى وسوسة ، وأصل النزغ الفساد يقال نزغ بيتا أي أفسد ، وقيل النزغ الإغواء والمعنى متقارب ، أمر اللّه سبحانه نبيه صلى اللّه عليه وسلم إذا أدرك شيئا من وسوسة الشيطان أن يستعيذ باللّه ويلجأ إليه في دفعه عنه ، وقيل : إنه لما نزل قوله خذ العفو قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : كيف يا رب بالغضب ، فنزلت هذه الآية وفي الآية استعارة تبعية حيث شبه الإغراء على المعاصي بالنزغ واستعير النزغ للأغراء ثم اشتق منه ينزغنك . وجملة إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ علة لأمره بالاستعاذة أي استعذ به والتجىء إليه فإنه يسمع ذلك منك ويعلم به ، وقيل الخطاب لكل أحد والأول أولى ، والكلام خرج مخرج التقدير والفرض فلا يقال : لو كان النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم معصوما لم يكن للشيطان عليه سبيل حتى ينزغ في قلبه ويحتاج إلى الاستعاذة . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 201 إلى 202 ] إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ( 201 ) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ ( 202 ) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا مقررة لمضمون ما قبلها أي : إن شاء الذين يتقون اللّه وحالهم هو التذكر لما أمر اللّه به من الاستعاذة والالتجاء إليه عند أن يمسهم طائف من الشيطان وإن كان يسيرا وقرىء طيف مخففا ومشددا قال النحاس : كلام العرب في مثل هذا طيف بالتخفيف على أنه مصدر من طاف يطيف ، وقال الكسائي هو مخفف مثل ميت وميت . قال النحاس : ومعناه في اللغة ما يتخيل في القلب أو يرى في النوم وكذا معنى طائف وقيل معنيان مختلفان فالأول التخيل ، والثاني الشيطان نفسه فالأول من طاف الخيال يطوف طيفا ، ولم يقولوا من هذا طائف ، قال السهيلي : لأنه تخيل لا حقيقة له وأما قوله : فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ [ القلم : 19 ] فلا يقال فيه طيف لأنه اسم فاعل حقيقة .