صديق الحسيني القنوجي البخاري

62

فتح البيان في مقاصد القرآن

لا يرد أنه كيف قدم الأخص على الأعم إذ التجاوز عن العدل جور ثم طغيان ثم تعدّ ، والكل ظلم ، والعدوان تجاوز الحد . والظلم وضع الشيء في غير موضعه ، وقيل إن معنى العدوان والظلم واحد ، وتكريره لقصد التأكيد إلا أن يقال إن العطف باعتبار التغاير في المفهوم كما تقدم ، وخرج بقيد العدوان والظلم ما كان من القتل ، كالقصاص وقتل المرتد وسائر الحدود الشرعية وكذلك القتل الخطأ . فَسَوْفَ نُصْلِيهِ أي ندخله في الآخرة ناراً عظيمة يحترق فيها ، وقرىء نصليه بفتح النون وهو على هذا منقول من صلى ومنه شاة مصلية وَكانَ ذلِكَ أي إصلاؤه النار عَلَى اللَّهِ يَسِيراً هينا لأنه لا يعجزه شيء . إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ أي الذنوب التي نهاكم اللّه عنها ، وفي الكلام حذف أي وتفعلوا الطاعات نُكَفِّرْ عَنْكُمْ أصل التكفير الستر والتغطية ، وفي الشرع إماطة المستحق من العقاب بثواب أزيد أو بتوبة أي نغفر لكم سَيِّئاتِكُمْ أي ذنوبكم التي هي صغائر ، فالتكفير ليس مرتبا على الاجتناب وحده . وحمل السيئات على الصغائر هنا متعيّن لذكر الكبائر قبلها . وجعل اجتنابها شرط لتكفير السيئات : واجتناب الشيء المباعدة عنه وتركه جانبا ، والكبيرة ما كبر وعظم من الذنوب وعظمت عقوبته . وقد اختلف أهل الأصول في تحقيق معنى الكبائر ثم في عددها فأما في تحقيقها فقيل : إن الذنوب كلها كبائر ، وإنما يقال لبعضها صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها كما يقال الزنا صغيرة بالإضافة إلى الكفر ، والقبلة المحرمة صغيرة بالإضافة إلى الزنا ، وقد روي نحو هذا عن الأسفرايني والجويني والقشيري وغيرهم . قالوا المراد بالكبائر التي يكون اجتنابها سببا لتكفير السيئات هي الشرك ، واستدلوا على ذلك بقراءة من قرأ إن تجتنبوا كبير ما تنهون عنه ، وعلى قراءة الجمع فالمراد أجناس الكفر واستدلوا على ما قالوه بقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء : 48 ] قالوا فهذه الآية مقيدة لقوله إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ . وقال ابن عباس : الكبيرة كل ذنب ختمه اللّه بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب ، وقال ابن مسعود : الكبائر ما نهى اللّه عنه في هذه السورة إلى ثلاث وثلاثين آية ، قال سعيد بن جبير : كل ذنب نسبه اللّه إلى النار فهو كبيرة . وقال جماعة من أهل الأصول الكبائر كل ذنب رتّب اللّه عليه الحد أو صرح بالوعيد فيه وقيل غير ذلك مما لا فائدة في التطويل بذكره ، وقد ذكر الشوكاني جلّ ذلك في نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار ، وقد ذكر رضي اللّه عنه في إرشاد الفحول من النصوص عليها فوق الثلاثين .