صديق الحسيني القنوجي البخاري

606

فتح البيان في مقاصد القرآن

وصادت ، وكانت نحو سبعين ألفا ، وفرقة اعتزلت فلم تنه ولم تعص ، وفرقة اعتزلت ونهت ولم تعص ، فقالت الطائفة التي لم تنه ولم تعص للفرقة الناهية لم تعظون [ قوما ] يريدون الفرقة العاصية [ اللّه مهلكهم ] أو معذبهم ، قالوا ذلك على غلبة الظن لما جرت به عادة اللّه من إهلاك العصاة أو تعذبيهم من دون استئصال بالهلاك فقالت الناهية موعظتنا معذرة إلى اللّه وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ولو كانوا فرقتين فقط ناهية غير عاصية وعاصية لقال لعلكم تتقون . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 165 إلى 167 ] فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ( 165 ) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ( 166 ) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 167 ) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أي لما ترك العصاة من أهل القرية ما ذكرهم به الصالحون الناهون عن المنكر ترك الناسي للشيء المعرض عنه كلية الإعراض أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ أي الذين فعلوا النهي ولم يتركوه وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا وهم العصاة المعتدون في السبت بِعَذابٍ بَئِيسٍ أي شديد وجيع من : بؤس الشيء بأسا إذا اشتد ، وفيه إحدى عشرة قراءة للسبعة وغيرهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ أي بسبب فسقهم واعتدائهم وخروجهم عن طاعتنا . قال ابن عباس : نجت الفرقة الساكتة ، وقال يمان بن رباب : نجت الطائفتان وأهلك الذين أخذوا الحيتان وبه قال الحسن ، وقال ابن زيد : نجت الناهية وهلكت الفرقتان ، وهذه الآية أشد آية في ترك النهي عن المنكر . فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ أي تجاوزوا الحد في معصية اللّه سبحانه وأبوا أن يرجعوا عنها تمردا وتكبرا قُلْنا لَهُمْ كُونُوا أي أمرناهم امرا تكوينيا لا أمرا قوليا يعني مسخناهم قِرَدَةً قيل إنه سبحانه عذبهم أولا بسبب المعصية فلما لم يقلعوا مسخهم اللّه قردة ، وقيل : إنه قوله : فلما عتوا تكرير لقوله فلما نسوا ما ذكروا به للتأكيد والتقرير ، وأن المسخ هو العذاب البئيس خاسِئِينَ الخاسىء الصاغر الذليل أو المباعد المطرود ، يقال خسأته فخسىء أي باعدته فتباعد . قال قتادة : لما عتوا عما نهوا عنه مسخهم اللّه فصيرهم قردة تتعاوى بعدما كانوا رجالا ونساء ، قيل صار شبان القوم قردة والمشيخة خنازير ، وبقوا ثلاثة أيام ينظر الناس أليهم ثم هلكوا جميعا . واعلم أن ظاهر النظم القرآني هو أنه لم ينج من العذاب إلا الفرقة الناهية التي