صديق الحسيني القنوجي البخاري
600
فتح البيان في مقاصد القرآن
فعليك أن تتأمل في هذا البرهان فإنه في غاية اللطافة . وفي متى : ثم ضرب لهم مثلا آخر وقال إن ملكوت اللّه تماثل حبة خردل أخذها رجل وزرعها في مزرعته وهي أصغر جميع الحبوب ، فلما نمت صارت أعظم النباتات وأصبحت شجرة تأتي إليها طيور الجو ، وتسكن في أغصانها انتهى . وسياق هذا المثل أن المسيح كان جالسا على ساحل البحر فاجتمع عنده القوم فأخذ يضرب لهم الأمثال ومن جملتها هذا المثل ، وقد أوله النصارى في حق من يكون محبا للمسيح مواظبا على عمل الخير ، وهل فيه يا للرجال على هذا المعنى الضعيف دلالة ولا شك أنه من الأمثال التي كان يضربها المسيح عليه السلام في شأن محمد صلى اللّه عليه وسلم . وتأويل المثل أن الزارع هو الواجب تعالى والمزرعة الدنيا وحبة خردل محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم وهي أصغر جميع الحبوب على بادىء الرأي لأن جميع الأمم كانوا يستهزئون بالعرب لكونهم من أهل البادية وعدم رواج العلم في أماكنهم وعدم تنعمهم باللذات الجسمانية ، واليهود كانوا يستحقرونهم لكونهم من أولاد هاجر ، فقوله : « هي أصغر الحبوب » جملة حالية فلما نمت أي بلغ إلى رشده واستوفى من درجة الرسالة العامة أشدّه صارت أعظم النباتات أي صار أشرف الرسل وأكملهم لبقاء ملته إلى قيام القيامة ، ولأنه لم يقلّد ما قبله من الرسل الرّسالة العامة أصبحت أي صارت شجرة تأتي إليها طيور الجو جملة حالية وقعت صفة الشجرة والمراد بطيور الجو الأمم الذين لم يقلدوا بغير الناموس وتسكن في أغصانها أي تطمئن تحت أحكام شريعته صلى اللّه عليه وآله وسلم . وهذه أحد عشر نصا يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ولا يقدر أحد من أهل الكتاب على إنكار وجوده فيهما ، والبراهين على إثبات نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم في الكتب القديمة السماوية من التوراة والإنجيل والزبور كثيرة جدا لا يسع بسطها هذا المقام ، فإن شئت الاطلاع عليها فارجع إليها وإلى ما نقله الإسلاميون عنها في كتب الرد على النصارى . وهذه الأدلة كلها لها دلالة صريحة على ما نطق به القرآن الكريم في هذه الآية أعني يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل وفي أمثالها وهذا مع تحريف تلك الكتب لفظا أو معنى أو بكليهما . وأما البشارات التي وردت في حقه صلى اللّه عليه وسلم كما قال سبحانه وتعالى مشيرا إلى ذلك في قوله نقلا عن عيسى ابن مريم عليه السلام : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [ الصف : 6 ] فهي كثيرة جدا أيضا سنذكر بعضه تحت الآية الكريمة المذكورة إن شاء اللّه .