صديق الحسيني القنوجي البخاري

6

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ هو مال اليتيم وإن كان جيدا لكونه حراما بِالطَّيِّبِ وهو مال الولي لكونه حلالا وإن كان رديئا فالباء داخلة على المتروك نهيّ لهم عن أن يصنعوا صنع الجاهلية في أموال اليتامى ، فإنهم كانوا يأخذون الطيب من أموال اليتامى ويعوّضونه بالرديء من أموالهم ، ولا يرون بذلك بأسا . وقيل المعنى لا تأكلوا أموال اليتامى وهي محرمة خبيثة وتدعوا الطيب من أموالكم ، وقيل المراد لا تتعجلوا أكل الخبيث من أموالهم وتدعوا انتظار الرزق الحلال من عند اللّه ، والأول أولى فإن تبدل الشيء بالشيء في اللغة أخذ مكانه ، وكذلك استبداله ومنه قوله تعالى : وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ [ البقرة : 108 ] وقوله : أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ [ البقرة : 61 ] وأما التبديل فقد يستعمل كذلك كما في قوله : وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ [ سبأ : 16 ] وأخرى بالعكس كما في قولك بدلت الحلقة بالخاتم إذا أذبتها وجعلتها خاتما ، نص عليه الأزهري . وذهب جماعة من المفسرين إلى أن المنهي عنه في هذه الآية يعني وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ هو الخلط فيكون الفعل مضمنا معنى الضم أي لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم ، وهذا نهي عن منكر آخر كانوا يفعلونه بأموال اليتامى ، وخص النهي بالمضموم وإن كان أكل مال اليتيم حراما وإن لم يضم إلى مال الوصي ، لأن اكل ماله مع الاستغناء عنه أقبح ، فلذلك خص النهي به أو لأنهم كانوا يأكلونه مع الاستغناء عنه ، فجاء النهي على ما وقع منهم فالقيد للتشنيع . وإذا كان التقييد لهذا الغرض لم يلزم القائل بمفهوم المخالفة جواز أكل أموالهم وحدها ، قال الكرخي ، ثم نسخ هذا بقوله تعالى : وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ [ البقرة : 220 ] وقيل إن إلى بمعنى مع كقوله تعالى : مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ [ آل عمران : 52 ] والأول أولى . إِنَّهُ أي أكل مال اليتيم من غير حق أو التبديل المفهوم من لا تَتَبَدَّلُوا أو المراد كلاهما ذهابا بها مذهب اسم الإشارة نحو عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ [ البقرة : 68 ] والأول أولى لأنه أقرب مذكور كانَ حُوباً قرىء بضم الحاء وبفتحها ، وحابا بالألف لغات في المصدر ، والفتح لغة تميم ، وهو الإثم ، يقال حاب الرجل يحوب حوبا إذا أثم واكتسب الإثم ، وأصله الزجر للإبل فسمي الإثم حوبا لأنه يزجر عنه ، والحوبة الحاجة والحوب أيضا الوحشة والتحوب التخزن . عن سعيد بن جبير قال إن رجلا من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له ، فلما بلغ اليتيم طلب ماله فمنعه عمه فخاصمه إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فنزلت