صديق الحسيني القنوجي البخاري

595

فتح البيان في مقاصد القرآن

ولا شك أن النص دال على ما ذكرناه من نبوة محمد خاتم الأنبياء صلى اللّه عليه وآله وسلم برمته . وفي رومية ويوشع سأدعو الذين ليسوا من شيعتي لي شيعة والتي ليست بمحبوبتي لي محبوبة اه . واختلس النصارى هذا النص على عادتهم وأولوه في شأن اتباع المسيح وقالوا إنه لم يأت إلا لاستدعاء العوام مع أنه خلاف لما تواتر عليه النص ، فمنه ما ورد في متى « إني لم أرسل إلا لغنم بيت إسرائيل الضالة فجاءت الامرأة وسجدت له وقالت أعني يا رب فقال لها وهو يحاورها إنه لا يجوز أن يؤخذ خبز الأولاد ويلقى للكلاب » . وما ورد في متى لما أرسل الحواريين للدعوة حيث قال : « بل سيروا إلى غنم بيت إسرائيل الضالة » إلى غير ذلك . وتقرير الأول أن امرأة سريانية أتت إليه تلتمسه أن يبرئ بنتها فقال لها : إني لم أرسل إلا لأبرىء بني إسرائيل الذين هم أحباء اللّه ، ولا يجوز لأحد أن يأخذ خبز الأولاد ويلقى أمام الكلاب ، فإذا كان بمحض الإبراء والوعظ ليس بمأمور أن يبرئ أو يعظ غير اليهود فكيف تكون نبوته عامة . وأما استدلالهم بما ذكره في رومية فلا دلالة له أيضا على الخصوصية لأن موضوع هذا الفصل ممانعة اليهود لليونانيين عن التنصر ، فاستدل بولوس على جواز ذلك بإضافة الاختيار إلى المختار الحقيقي حيث قال « فمن أنت أيها الإنسان حتى تجيب اللّه تعالى لعل الجبلة تقول لجابلها لم صنعتني هكذا أو لعل الفخار لا سلطان له على الطين حتى يعمل من كتلة واحدة إناء للكرامة وإناء للإهانة الخ . فذكر ذلك استدلالا على جواز اضطباع العوام استحسانا لأن الجواز غير الوجوب بخلاف نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم فإنه قد أوجب عليه دعوة الثقلين وعليه الإجماع ، ولو كانت علة مجيء عيسى دعوة العوام لما احتاج إلى الاستدلال فينتقض . ويدل على محمد نفسه صلى اللّه عليه وسلم بالضرورة لأنه لم يكن من بني إسرائيل فلم يكن من شيعة الرب الخاصة ولما لم يكن من شيعته الخاصة فلم يكن له محبوبا فيكون الباري تعالى قد تبرع بإرساله وهو أبلغ وأظهر للقدرة لأن اليهود كانوا يتفاخرون على العرب لما ورد في متى من سفر الخروج لأنهم من أولاد إسحاق وهو ابن سارة ومحمد صلى اللّه عليه وسلم من أولاد إسماعيل وهو ابن هاجر جارية سارة لكن الواجب تعالى رغم أنفهم به وصيره له محبوبا وشيعته له شيعة . وإن لم يكن كذلك فنقول إن كان اليونانيون هم الذين رفضتهم سارة لما حكمت على إبراهيم عليه السلام أن يخرجهم إلى البر وطردتهم من بيتها لما حملت جاريتها