صديق الحسيني القنوجي البخاري

561

فتح البيان في مقاصد القرآن

عن طوق البشر ، وأنه من فعل اللّه سبحانه ، فوصلوا بالشر إلى الخير ، ولم يحصل من غيرهم ممن لا يعرف هذا العلم من أتباع فرعون ما حصل منهم من الإذعان والاعتراف والإيمان . وإذا كانت المهارة في علم الشر قد تأتي بمثل هذه الفائدة ، فما بالك بالمهارة في علم الخير ، اللّهم انفعنا بما علمتنا وثبت أقدامنا على الحق وأفرغ علينا سجال الصبر وتوفنا مسلمين آمين قال ابن عباس : كانوا في أول النهار سحرة وفي آخر النهار شهداء ، قيل فعل بهم فرعون ما توعدهم به وقيل لم يقدر عليه لقوله تعالى : أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ [ القصص : 35 ] . وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَ تَذَرُ الاستفهام منهم للإنكار عليه أي أتترك مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ أي في مصر بإيقاع الفرقة وتشتيت الشمل وَيَذَرَكَ بياء الغيبة ونصب الراء هذه قراءة العامة ، وفيها وجهان أظهرهما أنه على العطف على ليفسدوا ، والثاني أنه منصوب على جواب الاستفهام كما ينصب في جوابه بعد الفاء . والمعنى كيف يكون الجمع بين تركك موسى وقومه مفسدين ، وبين تركهم إياك وعادة آلهتك ، أي لا يمكن وقع ذلك وقرىء برفع الراء وفيها ثلاثة أوجه أظهرها أنه نسق على أتذر أي اتطلق له ذلك ، والثاني أنه استئناف إخبار ذلك ، الثالث أنه حال ولا بد من إضمار مبتدأ أي وهو يذرك ، وقرىء بالجزم إما على التخفيف بالسكون لنقل الضمة أو على ما قيل في وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ [ المنافقون : 10 ] في توجيه الجزم ، وقرىء بالنون والرفع والمعنى أنهم أخبروا عن أنفسهم بأنهم سيذرونك . وآلهتك اختلف المفسرون في معناها لكون فرعون كان يدعي الربوبية كما في قوله ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [ القصص : 38 ] وقوله أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [ النازعات : 24 ] فقيل ومعنى آلهتك طاعتك وقيل معناه عبادتك ، ويؤيده قراءة علي وابن عباس والضحاك : وإلاهتك في حرف أبي ليفسدوا في الأرض وقد تركوك أن يعبدوك وقيل إنه كان يعبد بقرة ، وقيل كان يعبد النجوم وقيل كان له أصنام يعبدها قومه تقربا إليه فنسبت إليه ، ولهذا قال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى قاله الزجاج ، وقيل كان يعبد الشمس والكوابك . والأقرب أن يقال : إن فرعون كان دهريا منكرا لوجود الصانع فكان يقول مدبر هذا العالم السفلي هو الكواكب فاتخذ أصناما على صورتها وكان يعبدها ويأمر بعبادتها ، وكان يقول في نفسه إنه هو المطاع والمخدوم في الأرض فلهذا قال أنا ربكم الأعلى . وقال سعيد بن جبير ومحمد بن المنكدر : كان ملك فرعون أربعمائة سنة وعاش