صديق الحسيني القنوجي البخاري
557
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قد اختلفت كلمة السلف في عددهم فقال ابن عباس : كانوا سبعين رجلا أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء ، وقيل كانوا اثنين وسبعين اثنان من القبط وسبعون من بني إسرائيل قاله مقاتل ، وقال الكلبي : كان الذين يعلمونهم رجلين مجوسيين من أهل نينوى ، وقال كعب الأحبار : كانوا اثني عشر ألفا ، وقيل خمسة عشر ألفا ، قاله ابن إسحاق وقيل سبعة عشر ألفا وقيل تسعة عشر ألفا وقيل ثلاثين ألفا وقيل سبعين ألفا ، قاله عكرمة وقيل ثمانين ألفا ، قاله محمد بن المنكدر وقيل ثلاثمائة ألف وقيل تسعمائة ألف . قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ الأجر الجائزة والعطاء والجعل ، الزموا فرعون أن يجعل لهم جعلا إن غلبوا موسى بسحرهم وقرىء أئن لنا على الاستفهام للتقرير أي استفهموا فرعون عن الجعل الذي سيجعله لهم على الغلبة وعلى القراءة الأولى كأنهم قاطعون بالجعل وأنه لا بد لهم منه . قالَ نَعَمْ لكم الأجر وَإِنَّكُمْ مع هذا الأجر المطلوب منكم لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ لدينا قال الكلبي تكونون أول من يدخل علي وآخر من يخرج من عندي . وفي الخطيب والآية تدل على أن كل الخلق كانوا عالمين بأن فرعون كان عبدا ذليلا مهينا عاجزا وإلا لما احتاج إلى الاستعانة بالسحرة . وتدل أيضا على أن السحرة ما كانوا قادرين على قلب الأعيان ، وإلا لما احتاجوا إلى طلب الأجر والمال من فرعون لأنهم لو قدروا على قلب الأعيان لقلبوا التراب ذهبا ولنقلوا ملك فرعون لأنفسهم ، ولجعلوا أنفسهم ملوك العالم ورؤساءهم ، والمقصود من هذه الآيات تنبيه الإنسان لهذه الدقائق وأن لا يغتر بكلمات أهل الأباطيل والأكاذيب لها . قالُوا أي السحرة يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ يعني أنهم خيروا موسى بين أن يبتدئ بإلقاء ما يلقيه عليهم أو يبتدئون هم بذلك تأدبا معه وثقة من أنفسهم بأنهم غالبون وإن تأخروا قال الكسائي والفراء إما أن تفعل الإلقاء أو نفعله نحن . قالَ أَلْقُوا اختار أن يكون المتقدمين عليه بإلقاء ما يلقونه غير مبال بهم ولا هائب لما جاءوا به ، قال الفراء في الكلام حذف والمعنى قال لهم موسى إنكم لن تغلبوا ربكم ولن تبطلوا أيامه ، وقيل هو تهديد أي ابتدئوا بالإلقاء فستنظرون ما يحل بكم من الافتضاح . والموجب لهذين التأويلين عند من قال بهما أنه لا يجوز لموسى أن يأمرهم بالسحر ، وقيل إنما أمرهم لتظهر معجزته لأنهم إذا لم يلقوا قبله لم تظهر معجزته ، والأول أولى . فَلَمَّا أَلْقَوْا حبالهم وعصيهم قال ابن عباس حبالا غلاظا وخشبا طوالا فأقبلت