صديق الحسيني القنوجي البخاري
553
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقال أبي بن كعب : كان في علم اللّه يوم أقروا له الميثاق حين أخرجهم من ظهر آدم من يكذب به ممن يصدق به ، وهو معنى قول ابن عباس والسدي آمنوا كرها يوم أخذ الميثاق ، وقال الطبري : وأولى الأقوال قول أبي بن كعب والربيع بن أنس وذلك إن من سبق في علم اللّه أنه لا يؤمن به فلا يؤمن أبدا . كَذلِكَ أي مثل ذلك الطبع الشديد على قلوب أهل القرى المنتفى عنهم الإيمان يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ الجائين بعدهم فلا ينجع فيهم بعد ذلك وعظ ولا تذكير ولا ترغيب ولا ترهيب . وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ الضمير يرجع إلى أهل القرى المذكورين سابقا أي عهد يحافظون عليه ويتمسكون به ، بل دأبهم نقض العهود في كل حال ، وقيل الضمير يرجع إلى الناس على العموم أي ما وجدنا لأكثر الناس من عهد وقيل المراد بالعهد هو المأخوذ عليهم في عالم الذر ، وقيل الضمير يرجع إلى الكفار على العموم من غير تقييد بأهل القرى أي لأكثر منهم لا عهد ولا وفاء والقليل منهم قد يفي بعهده ويحافظ عليه قال ابن عباس : ذلك أن اللّه إنما أهلك القرى لأنهم لم يكونوا حفظوا ما وصاهم به وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ أي وإن الشأن هذا والمعنى خارجين عن الطاعة خروجا شديدا . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 103 إلى 105 ] ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ( 103 ) وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 104 ) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ ( 105 ) ثُمَّ بَعَثْنا أي أرسلنا مِنْ بَعْدِهِمْ أي بعد نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وقيل ضمير « هم » راجع إلى الأمم السالفة أي من بعد إهلاكهم مُوسى قال ابن عباس : إنما سمي موسى لأنه القي بين ماء وشجر فالماء بالقبطية مو والشجر سا وعاش من العمر مائة وعشرين سنة وبينه وبين يوسف أربعمائة سنة وبين موسى وإبراهيم سبعمائة سنة كما ذكره في التحبير . بِآياتِنا أي حججنا وأدلتنا على صدقة مثل اليد والعصا ونحو ذلك مما جاء به موسى ، وهذا يدل على أن النبي لا بد له من آية يتميز بها عن غيره ، وإلا لم يكن قبول قوله أولى من قبول قول غيره . إِلى فِرْعَوْنَ هو لقب لكل من يملك أرض مصر بعد العمالقة مثل ما كان يسمى ملك الفرس كسرى ، وملك الروم قيصر ، وملك الحبشة النجاشي ، وكان اسم فرعون الذي أرسل إليه موسى « الوليد بن مصعب بن الريان » وكان ملك القبط وكنيته أبو مرة ، وقيل أبو العباس وكان قبله فرعون آخر وهو أخوه واسمه قابوس ولم يذكر في القرآن .