صديق الحسيني القنوجي البخاري
545
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إليكم من الأحكام التي شرعها اللّه لكم وَطائِفَةٌ منكم لَمْ يُؤْمِنُوا به فَاصْبِرُوا أي انتظروا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وبينكم وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ أي أعدلهم ، هذا من باب التهديد والوعيد الشديد لهم ، وليس هو من باب الأمر بالصبر على الكفر وحكم اللّه بين الفريقين هو نصر المحقين على المبطلين ومثله قوله تعالى : فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ [ التوبة : 52 ] أو هو أمر للمؤمنين بالصبر على ما يحل بهم من أذى الكفار حتى ينصرهم اللّه عليهم ، وقيل للفريقين وهذا هو الظاهر . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 88 ] قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَ وَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ ( 88 ) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا أي الأشراف المستكبرون عن الإيمان مِنْ قَوْمِهِ استئناف بياني كأنه قيل فإذا قالوا بعد سماعهم هذه المواعظ من شعيب لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا لم يكتفوا بترك الإيمان والتمرد عن الإجابة إلى ما دعاهم إليه ، بل جاوزوا ذلك بغيا وبطرا وأشرا إلى توعد نبيهم ومن آمن به بالاخراج من قريتهم أو عودهم في ملتهم الكفرية أي لا بد من أحد الأمرين إما الإخراج أو العود . ومقصودهم الأصلي هو العود ، وإنما ذكر النفي والإجلاء لمحض القسر والإلجاء كما يفصح عنه عدم تعرضه لجواب الإخراج على ما هو ظاهر النظم ، وتوسيط النداء باسمه العلمي بين المعطوفين لزيادة التقرير والتهديد الناشئة عن غاية الوقاحة والطغيان أي واللّه لنخرجنك وأتباعك ، وإنما لم يقولوا أو لنعيدنكم على طريقة ما قبله لما أن مرادهم العود بطريق الاختيار وصورة الطواعية . وكلمة « عاد » لها في لسانهم استعمالان أحدهما : وهو الأصل أنه الرجوع إلى ما كان عليه من الحال الأولى والثاني : استعمالها بمعنى صار ، قال السمين : واستشكلوا على كونها بمعناها الأصلي أن شعيبا لم يكن قط على دينهم ولا في ملتهم فكيف يحسن أن يقال أو لتعودن أي ترجعن إلى حالتكم الأولى والخطاب له ولأتباعه . وقد أجيب عن ذلك بثلاثة أوجه أحدها : أن هذا القول من رؤسائهم قصدوا به التلبيس على العوام والإيهام لهم أنه كان على دينهم وعلى ملتهم . الثاني : أن يراد بعوده رجوعه إلى حاله قبل بعثته من السكوت لأنه قبل أن يبعث إليهم كان يخفي إيمانه وهو ساكت عنهم ، بريء من معبوداتهم غير اللّه . الثالث : تغليب الجماعة على الواحد لأنهم لما أصحبوه مع قومه في الإخراج حكموا عليه وعليهم بالعود إلى الملة تغليبا لهم عليه .