صديق الحسيني القنوجي البخاري
522
فتح البيان في مقاصد القرآن
لَنا جواب الاستفهام والمعنى هل لنا شفعاء يخلصونا مما نحن فيه من العذاب . أَوْ هل نُرَدُّ إلى الدنيا فَنَعْمَلَ صالحا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ من المعاصي فبدل الكفر بالإيمان والتوحيد والمعاصي بالطاعة والإنابة فيقال لهم في جواب الاستفهامين قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ أي صاروا إلى الهلاك ولم ينتفعوا بها فكانت بلاء عليهم ومحنة لهم فكأنهم خسروها كما يخسر التاجر رأس ماله وقيل خسروا النعيم وحظ الأنفس . وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ أي افتراءهم أو الذي كانوا يفترونه من دعوى الشريك والمعنى أنه بطل كذبهم الذي كانوا يقولونه في الدنيا أو غاب عنهم ما كانوا يجعلونه شريكا للّه فلم ينفعهم ولا حضر معهم وعلموا أنهم كانوا في دعواهم كاذبين . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 54 ] إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 54 ) إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ هذا نوع من بديع صنع اللّه وجليل قدرته وتفرده بالإيجاد الذي يوجب على العباد توحيده وعبادته وأصل الخلق في اللغة التقدير ، ويستعمل في إبداع الشيء من غير أصل سبق ولا ابتداء تقدم ، فمعنى الآية أنشأ خلقهما وقدر أحوالهما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ اليوم عبارة عن مقدار من الزمان وهو من طلوع الشمس إلى غروبها . قيل هذه الأيام من أيام الدنيا وقيل من أيام الآخرة ، قال ابن عباس : كل يوم مقداره ألف سنة وبه قال الجمهور وهذه الأيام الستة أولها الأحد وآخرها الجمعة ، وبه قال عبد اللّه بن سلام وكعب الأحبار والضحاك ومجاهد واختاره ابن جرير والطبري وهو سبحانه قادر على خلقها في لحظة واحدة يقول لها كوني فتكون ، ولكنه أراد أن يعلم عباده الرفق والتأني في الأمور . وقال سعيد بن جبير تعليما لخلقه التثبت كما في الحديث « التأني من اللّه والعجلة من الشيطان » « 1 » أو خلقها لكون كل شيء له عنده أجل ، وفي آية أخرى وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ [ ق : 38 ] وحديث : « خلق اللّه الأرض يوم الأحد والاثنين وخلق الجبال وما فيهن من منافع يوم الثلاثاء » « 2 » الخ رواه مسلم والحاكم عن ابن عباس .
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في البر باب 66 . ( 2 ) أخرجه مسلم في صفة القيامة والجنة والنار حديث 27 .