صديق الحسيني القنوجي البخاري

518

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقد اختلف العلماء في أصحاب الأعراف من هم ، على ثلاثة عشر قولا ذكر الخازن منها ثمانية وزاد عليه القرطبي خمسة فقيل هم الشهداء ذكره القشيري وشرحبيل بن سعد ، وقيل هم فضلاء المؤمنين فرغوا من شغل أنفسهم وتفرغوا لمطالعة أحوال الناس ، ذكره مجاهد وقيل هم قوم أنبياء ذكره الزجاج وحكاه ابن الأنباري . وقيل هم قوم استوت حسناتهم وسيآتهم قاله ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وابن عباس والشعبي والضحاك وسعيد بن جبير ، وقيل هم العباس وحمزة وعلي وجعفر الطيار يعرفون محبيهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسوادها ، حكي ذلك عن ابن عباس وقيل هم عدول القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم وهم في كل أمة ، واختار هذا القول النحاس ، وقال هو من أحسن ما قيل فيهم وقيل هم أولاد الزنا روى ذلك القشيري عن ابن عباس . وقيل هم أطفال المشركين وقال مجاهد هم قوم صالحون فقهاء علماء ، وقيل هم ملائكة موكلون بهذا السور يميزون الكافرين عن المؤمنين قبل إدخالهم الجنة والنار ، ذكره أبو مجلز وضعفه الطبري وقال : إن لفظ الرجال في لسان العرب لا يطلق إلا على الذكور من بني آدم دون إناثهم ودون سائر الخلق . وفي هذه الأقوال ما يدل على أن أصحاب الأعراف دون أهل الجنة في الدرجات وإن كانوا يدخلون الجنة برحمة اللّه تعالى ، وفيها ما يدل على أنهم أفضل من أهل الجنة وأعلى منهم منزلة ، وليس في الباب ما يقطع به من نص جلي وبرهان نير . وقال حذيفة : أصحاب الأعراف قوم كانت لهم أعمال أنجاهم اللّه بها من النار وهم آخر من يدخل الجنة قد عرفوا أهل الجنة وأهل النار ، وقيل هم قوم كانت لهم صغائر لم تكفر عنهم بالآلام والمصائب في الدنيا وليست لهم كبائر فيحبسون عن الجنة لينالهم بذلك غم فيقع في مقابلة صغائرهم . وذكر ابن الجوزي أنهم قوم رضي عنهم آباؤهم دون أمهاتهم أو أمهاتهم دون آبائهم ، ورواه عن إبراهيم . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي زرعة بن عمر قال : سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن أصحاب الأعراف فقال : هم آخر من يفصل بينهم من العباد فإذا فرغ رب العالمين من الفصل بين العباد قال : أنتم قوم أخرجتكم حسناتكم من النار ، ولم تدخلوا الجنة فأنتم عتقائي فارعوا من الجنة حيث شئتم ، قال ابن كثير وهذا مرسل حسن . وأخرج البيهقي في البعث عن حذيفة أراه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « يجمع الناس يوم القيامة فيؤمر بأهل الجنة إلى الجنة ، ويؤمر بأهل النار إلى النار ثم يقال لأصحاب الأعراف ما تنتظرون ؟ قالوا ننتظر أمرك فيقال لهم إن حسناتكم تجاوزت بكم النار أن تدخلوها ، وحالت بينكم وبين الجنة خطاياكم فأدخلوا بمغفرتي ورحمتي » .