صديق الحسيني القنوجي البخاري

507

فتح البيان في مقاصد القرآن

ما يدعون به في صلاتهم وعقب صلاتهم وفي صيامهم وفي ليلهم ونهارهم ، وعند نزول الشدائد بهم وعند وصول نعم اللّه إليهم . هل كان هذا كله منه صلى اللّه عليه وسلم لفائدة عائدة عليه وعلى أمته بالخير جالبة لما فيه مصلحة دافعة لما فيه مفسدة ، فإن قالوا : نعم قلنا لهم فحينئذ لا خلاف بيننا وبينكم فإن هذا الاعتراف يدفع عنا وعنكم معرة الاختلاف ، ويريحنا ويريحكم من التطويل بالكلام على ما أردتموه وأردناه . وإن قالوا : ليس ذلك لفائدة عائدة عليه وعلى أمته بالخير جالبة لما فيه مصلحة دافعة لما فيه مفسدة ، فهم أجهل من دوابهم وليس للمحاجة لهم فائدة ولا في المناظرة معهم نفع . يا عجبا كل العجب ، أما بلغهم ما كان عليه أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من أول نبوته إلى أن قبضه اللّه من الدعاء لربه والإلحاح عليه ورفع يديه عند الدعاء حتى يبدو بياض إبطيه وحتى يسقط رداؤه كما وقع منه صلى اللّه عليه وسلم في يوم بدر ، فهل يقول عاقل فضلا عن عالم أن هذا الدعاء منه فعله صلى اللّه عليه وسلم وهو يعلم أنه لا فائدة فيه ، وأنه قد سبق العلم بما هو كائن وأن هذا السبق يرفع فائدة ذلك ويقتضي عدم النفع به . ومعلوم أنه صلى اللّه عليه وسلم أعلم بربه وبقضائه وقدره وبأزليته وسبق علمه بما يكون في بريته ، فلو كان الدعاء منه ومن أمته لا يفيد شيئا ولا ينفع نفعا لم يفعله ولا أرشد إليه الناس وأمرهم به ، فإن ذلك نوع من العبث الذي تنزه عنه كل عاقل فضلا عن خير البشر وسيد ولد آدم . ثم يقال لهم إذا كان القضاء دافعا لا محالة وأنه لا يدفعه شيء من الدعاء والالتجاء والإلحاح والاستعانة فكيف لم يتأدب صلى اللّه عليه وسلم مع ربه ، فإنه قد صح عنه أنه استعاذ باللّه سبحانه من سوء القضاء كما عرفناك وقال : « وقني شر ما قضيت » « 1 » ، فكيف يقول هؤلاء الغلاة في الجواب عن هذا وعلى أي محمل يحملونه ؟ ثم ليت شعري علام يحملون أمره سبحانه وتعالى لعباده بدعائه بقوله ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ غافر : 60 ] ثم عقب ذلك بقوله إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ [ غافر : 60 ] أي عن دعائي كما صرح بذلك أئمة التفسير . فكيف يأمر عباده بالدعاء أولا ثم يجعل تركه استكبارا منهم ، ثم يرغبهم إلى الدعاء ويخبرهم أنه قريب من الداعي مجيب لدعوته بقوله وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ [ البقرة : 186 ] ثم يقول معنونا لكلامه الكريم

--> ( 1 ) تقدّم الحديث مع تخريجه قبل قليل .