صديق الحسيني القنوجي البخاري
497
فتح البيان في مقاصد القرآن
عن القيام بما يجب عليه من طاعة أو سعي على نفسه وعلى من يقول ، مخالف لما شرعه اللّه لعباده واقع في النهي القرآني . وهكذا من حرم حلالا أو حلل حراما فإنه يدخل في المسرفين ويخرج عن المقتصدين ومن الإسراف الأكل لا لحاجة وفي وقت شبع ، قال ابن عباس : أحل اللّه الأكل والشرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة قال علي بن الحسين بن واقد ، قد جمع اللّه الطب كله في نصف آية يعني هذه الآية ، وفيه دليل على أن جميع المطعومات والمشروبات حلال إلا ما خصه الشرع بدليل في التحريم ، لأن الأصل في جميع الأشياء الإباحة إلا ما حظره الشارع ، وثبت تحريمه بدليل منفصل . إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ في الطعام والشراب واللباس ، وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في الشعب من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : « كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير مخيلة ولا سرف ، فإن اللّه سبحانه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده » « 1 » . وفي الآية وعيد وتهديد لمن أسرف في هذه الأشياء لأن محبة اللّه عبارة عن رضاه عن العبد وإيصال الثواب إليه ، وإذا لم يحبه علم أنه ليس براض عنه فدلت الآية على الوعيد الشديد في الإسراف في المأكول والمشروب والملبوس ، وما أحق بهذا الوعيد أهل الدول من الفساق والفجار . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 32 إلى 33 ] قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 32 ) قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 33 ) قُلْ إنكارا على هؤلاء الجهلة من العرب الذين يطوفون بالبيت عراة والذين يحرمون على أنفسهم في أيام الحج اللحم والدسم مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الزينة ما يتزين به الإنسان من ملبوس أو غيره من الأشياء المباحة كالمعادن التي لم يرد نهي عن التزين بها والجواهر ونحوها وقيل الملبوس خاصة ، ولا وجه له . بل هو من جملة ما تشمله الآية . فلا حرج على من لبس الثياب الجيدة الغالية القيمة إذا لم تكن مما حرمه اللّه ولا حرج على من تزين بشيء من الأشياء التي لها مدخل في الزينة ولم يمنع منها مانع شرعي ، ومن زعم أن ذلك يخالف الزهد فقد غلط غلطا بينا وقد قدمنا في هذا ما يكفي .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في اللباس باب 1 ، والنسائي في الزكاة باب 66 ، وابن ماجة في اللباس باب 23 ، وأحمد في المسند 2 / 181 ، 182 .