صديق الحسيني القنوجي البخاري

491

فتح البيان في مقاصد القرآن

ذلِكَ أي لباس التقوى هو خَيْرٌ أي خير لباس وأجمل زينة لأنه يستر من فضائح الآخرة ، وقيل الإيمان والعمل خير من اللباس والريش قاله ابن عباس وأنشدوا في المعنى : إذا أنت لم تلبس ثيابا من التقى * عريت وإن وارى القميص قميص ذلِكَ أي الإنزال المدلول عليه بانزلنا مِنْ آياتِ اللَّهِ الدالة على أن له خالقا لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ نعمته فيشكرونها وفيه التفات عن الخطاب ، وكان مقتضى المقام لعلكم . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 27 إلى 28 ] يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ( 27 ) وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 28 ) ثم كرر اللّه سبحانه النداء لبني آدم تحذيرا لهم من الشيطان فقال يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ أي لا يوقعنكم في الفتنة والمحنة بأن يمنعكم من دخول الجنة فالنهي وإن كان للشيطان فهو في الحقيقة لبني آدم بأن لا يفتتنوا بفتنته ويتأثروا لذلك كما في قولك لا أرينك هنا كَما أَخْرَجَ أي : كما فتن . أَبَوَيْكُمْ بأن أخرجهما مِنَ الْجَنَّةِ أو لا يفتننكم فتنة مثل إخراج أبويكم أو لا يخرجنكم بفتنته إخراجا مثل إخراجه أبويكم . يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما قد تقدم تفسيرها وأضاف نزعه إلى الشيطان وإن لم يباشر ذلك لأنه كان بسبب وسوسته فأسند إليه ، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة التي وقعت فيما مضى ، والنزع الجذب للشيء بقوة عن مقره ومنه تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [ القمر : 20 ] ومنه نزع القوس ويستعمل في الأعراض ومنه نزع العداوة والمحبة من القلب ونزع فلان كذا سلبه ، ومنه والنازعات غرقا لأنها تقلع أرواح الكفرة بشدة ومنه المنازعة وهي المخاصمة والنزع عن الشيء الكف عنه والنزوع الاشتياق الشديد ومنه نزع إلى وطنه . واختلفوا في اللباس فقيل الظفر وقيل النور وقيل التقوى ، وقيل كان من ثياب الجنة ، وهذا أقرب لأن اطلاق اللباس ينصرف إليه ، ولأن النزع لا يكون إلا بعد اللباس . لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما اللام لام كي وقد تقدم تفسيره أيضا ، والضمير في إِنَّهُ فيه وجهان الظاهر منهما أنه للشيطان ، والثاني أن يكون ضمير الشأن ، وبه قال الزمخشري ولا حاجة تدعو إلى ذلك .