صديق الحسيني القنوجي البخاري

484

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقيل « ما » في فَبِما أَغْوَيْتَنِي للاستفهام والمعنى فبأي شيء أغويتني والأول أولى . ومراده بهذا الإغواء الذي جعله سببا لما سيفعله مع العباد وهو ترك السجود منه وأن ذلك كان بإغواء اللّه له حتى اختار الضلالة على الهدى ، وقيل أراد به اللعنة التي لعنه اللّه بها أي فيما لعنتني فأهلكتني ومنه فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [ مريم : 59 ] أي هلاكا . وقال ابن الأعرابي : يقال غوى الرجل يغوى غيا إذا فسد عليه أمره أو فسد هو في نفسه ومنه عَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [ طه : 121 ] أي فسد عيشه في الجنة ، وغرض اللعين بهذا أخذ ثأره منهم لأنه لما طرد ومقت بسببهم على ما تقدم أحب أن ينتقم منهم أخذا بالثأر . لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ أي لأجهدن في إغوائهم حتى يفسدوا بسببي كما فسدت بسبب تركي للسجود لأبيهم صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ هو الطريق الموصل إلى الجنة ، وقال ابن عباس : طريق مكة يعني أمنعهم من الهجرة ، وعن ابن مسعود مثله ، وقيل هو طريق الإسلام ، وقيل المراد الحج والأول أولى لأنه يعم الجميع والمعنى لأردن بني آدم عن عبادتك وطاعتك ولأغوينهم ولأضلنهم . ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ ذكر الجهات الأربع لأنها هي التي يأتي منها العدو عدوه ولهذا ترك ذكر جهة الفوق والتحت ، وعدى الفعل إلى الجهتين الأوليين بمن وإلى الآخرين بعن لأن الغالب فيمن يأتي من قدام وخلف أن يكون متوجها إلى ما يأتيه بكلية بدنه والغالب فيمن يأتي من جهة اليمين والشمال أن يكون منحرفا فناسب في الأوليين التعدية بحرف الابتداء وفي الأخرين بحرف المجاوزة . وهو تمثيل الوسوسة وتسويله بمن يأتي حقيقة ، وفيه إشارة إلى نوع تباعد منه في هاتين الجهتين لقعود ملك اليمين وملك اليسار فيهما ، وهو ينفر من الملائكة ، وقيل المراد من بين أيديهم من دنياهم ، ومن خلفهم من آخرتهم ، وعن أيمانهم من جهة حسناتهم ، وعن شمائلهم من جهة سيآتهم ، استحسنه النحاس . قال ابن عباس : أسن لهم المعاصي وأخفى عليهم للباطل ، وعنه قال : من بين أيديهم من قبل الآخرة فأشككهم فيها ، ومن خلفهم من قبل الدنيا فأرغبهم فيها وعن أيمانهم أشبه عليهم أمر دينهم وعن شمائلهم أشهي لهم المعاصي . وقال الحكم بن عتبة من بين أيديهم أي من قبل الدنيا فأزينها لهم ، ومن خلفهم من قبل الآخرة فأثبطهم عنها ، وعن أيمانهم من قبل الحق فأصدهم عنه وعن شمائلهم من قبل الباطل فأزينه لهم . وقال قتادة : أتاك إبليس يا ابن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك لم