صديق الحسيني القنوجي البخاري
482
فتح البيان في مقاصد القرآن
وقد أخطأ عدو اللّه فإن عنصر الطين أفضل من عنصر النار من جهة رزانته وسكونه وطول بقائه ، وفيه الأناة والصبر والحلم والحياء والتثبت ، والنار خفيفة مضطربة سريعة النفاذ وفيها الطيش والارتفاع والحدة . ومع هذا فهو موجود في الجنة دونها وهي عذاب دونه ، وهو محتاج إليه ليتحيز فيه وهو مسجد وطهور ، والتراب عدة الممالك ، والنار عدة المهالك ، والنار مظنة الخيانة والإفناء والطين مظنة الأمانة والإنماء ، والطين يطفئ النار ويتلفها والنار لا تتلفه ، وهذه فضائل غفل عنها اللعين حتى زل بفاسد من القياس . وقال النسفي : والقياس مردود عند وجود النص . وقياس إبليس عناد للأمر المنصوص خارج عن الصواب انتهى . ولولا سبق شقاوته وصدق كلمة اللّه عليه لكان له بالملائكة المطيعين لهذا الأمر أسوة وقدوة فعنصرهم النوري أشرف من عنصره الناري . عن عكرمة قال : خلق إبليس من نار العزة ، وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة قالت : « قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من نار وخلق آدم مما وصفه لكم » « 1 » ، وقال ابن سيرين ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس . وأصل هذا القياس الذي قاسه إبليس أنه رأى النار أفضل من الطين وأقوى ولم يدر أن الفضل ليس بالأصل والجوهر بل بالطاعة وقبول الأمر ، فالمؤمن الحبشي خير من الكافر القرشي وقد خص اللّه آدم بأشياء لم يخص بها غيره وهو أنه خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء وأورثه الاجتباء والتوبة والهداية إلى غير ذلك للعناية التي سبقت له في القدم ، وأورث إبليس كبره اللعنة والطرد ، للشقاوة التي سبقت له في الأزل . وقال الحسن في الآية أول من قاس إبليس ، وإسناده صحيح إلى الحسن أخرجه ابن جرير ، وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : « أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس قال اللّه له أسجد لآدم فقال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين » « 2 » ، قال جعفر فمن قاس أمر الدين برأيه قرنه اللّه يوم القيامة بإبليس لأنه اتبعه بالقياس ، وينبغي أن ينظر في إسناد هذا الحديث فما أظنه يصح رفعه وهو لا يشبه كلام النبوة . قالَ فَاهْبِطْ مِنْها جملة استئنافية كالتي قبلها والفاء لترتيب الأمر بالهبوط على
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الزهد والرقاق حديث 60 . ( 2 ) أخرجه الدارمي في المقدمة باب 22 .