صديق الحسيني القنوجي البخاري
480
فتح البيان في مقاصد القرآن
أسباب المعاش . والمعايش جمع معيشة وهي ما يعاش به من المطعوم والمشروب وما تكون به الحياة ، وفي القاموس العيش الحياة وأيضا الطعام وما يعاش به والخبز ، والمتعيش من له بلغة من العيش . وقال الزجاج : المعيشة ما يتوصلون به إلى العيش وهو يعم جميع وجوه المنافع التي تحصل به الأرزاق من الزرع والثمار ، وما يتحصل من المكاسب والأرباح في أنواع التجارات والصنائع ، وكل ذلك بتمكينه سبحانه لعباده وإنعامه عليهم قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ الكلام فيه كالكلام فيما تقدم قريبا ، وحقيقة الشكر تصور النعمة وإظهارها ويضاده الكفر وهو نسيان النعمة وسترها . وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ هذا ذكر نعمة أخرى عظيمة من نعم اللّه تعالى على عبيده والمعنى خلقناكم نطفا ثم صورناكم بعد ذلك بالتخطيط وشق الحواس ، وقيل المعنى : خلقنا آدم من تراب ثم صورناكم في ظهره ، وذكره بلفظ الجمع لأنه أبو البشر ، وقيل ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ راجع إليه ويدل عليه قوله تعالى ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فإن ترتيب هذا القول على الخلق والتصوير يفيد أن المخلوق المصور آدم عليه السلام . وقال ابن عباس : خلقوا في أصلاب الرجال وصوروا في أرحام النساء ، وعنه قال خلقوا في ظهر آدم وصوروا في الأرحام ، وعنه أيضا أما خلقناكم فآدم وأما صورناكم فذريته ، وقال الأخفش ثم بمعنى الواو ، وقيل المعنى : خلقناكم من ظهر آدم ثم صورناكم حين أخذنا عليكم الميثاق ، قال النحاس وهذا أحسن الأقوال . قال أبو السعود : وإنما نسب الخلق والتصوير إلى المخاطبين مع أن المراد خلق آدم وتصويره إعطاء لمقام الامتنان حقه وتأكيدا لوجوب الشكر عليهم بالرمز إلى أن لهم حظا من خلقه وتصويره لأنهما من الأمور السارية إلى ذريته جميعا . وقال القاري : نزل خلقه منزلة خلق الكل وتصويرهم لأنه أبو البشر ، وقيل المعنى ولقد خلقنا الأرواح أولا ثم صورنا الأشباح . ثُمَّ أي بعد إكمال خلقه ، وفي السمين اختلف الناس في ثُمَّ في هذين الموضعين فمنهم من لم يلتزم فيها ترتيبا وجعلها بمنزلة الواو . ومنهم من قال هي للترتيب في الأخبار لا في الزمان ، ولا طائل تحت هذا ، ومنهم من قال هي للترتيب الزماني ، وهذا هو موضوعها الأصلي ومنهم من قال الأولى للترتيب الزماني والثانية للترتيب الإخباري انتهى . قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ أي أمرناهم بذلك فامتثلوا الأمر فَسَجَدُوا أي