صديق الحسيني القنوجي البخاري
476
فتح البيان في مقاصد القرآن
فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ الدعوى الدعاء أي فما كان دعاءهم واستغاثتهم بربهم عند نزول العذاب إلا اعترافهم بالظلم على أنفسهم ، ومثله آخِرُ دَعْواهُمْ [ يونس : 10 ] قال سيبويه : تقول العرب اللهم أشركنا في صالح دعوى المؤمنين ومنه قوله دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ [ يونس : 10 ] وحكاه الخليل أيضا وقيل الدعوى هنا بمعنى الادعاء ، والمعنى ما كانوا يدعونه لدينهم وينتحلونه إلا اعترافهم ببطلانه وفساده . فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ هذا وعيد شديد وبيان لعذابهم الأخروي إثر بيان عذابهم الدنيوي ، غير أنه قد تعرض لبيان مبادي أحوال المكلفين جميعا لكونه داخلا في التهويل والسؤال للقوم الذين أرسل إليهم الرسل من الأمم السالفة للتقريع والتوبيخ ، واللام للقسم أي لنسألنهم عما أجابوا به رسلهم عند دعوتهم . والفاء لترتيب الأحوال الأخروية على الأحوال الدنيوية . وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ أي الأنبياء الذين بعثهم اللّه أي يسألهم عما أجاب به أممهم عليهم ، ومن أطاع منهم ومن عصى ، وقيل المعنى فلنسألن الذين أرسل إليهم يعني الأنبياء ولنسألن المرسلين يعني الملائكة ، قال ابن عباس : يسأل اللّه الناس عما أجابوا به المرسلين ويسأل المرسلين عما بلغوا عنه ، ونحوه عن السدي . ولا يعارض هذا قول اللّه سبحانه وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ [ القصص : 78 ] لما قدمنا غير مرة أن في الآخرة مواطن ففي موطن يسألونه وفي موطن لا يسألون وهكذا سائر ما ورد مما ظاهره التعارض بأن أثبت تارة ونفى أخرى بالنسبة إلى يوم القيامة فإنه محمول على تعدد المواقف مع طول ذلك اليوم طولا عظيما . فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ أي على الرسل والمرسل إليهم لما سكتوا ما وقع بينهم عند الدعوة لهم منهم بِعِلْمٍ لا بجهل أي عالمين بما يسرون وما يعلنون وَما كُنَّا غائِبِينَ عن إبلاغ الرسل والأمم الخالية في حال من الأحوال حتى يخفى علينا شيء مما وقع بينهم ومما عملوا ، قال ابن عباس : يوضع الكتاب يوم القيامة فيتكلم بما كانوا يعلمون . وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ أي الوزن في هذا اليوم العدل الذي لا جور فيه ، أو المعنى الوزن العدل كائن أو استقر في هذا اليوم ، واختلف أهل العلم في كيفية هذا الوزن فقيل المراد به وزن صحائف أعمال العباد بالميزان وزنا حقيقيا وهذا هو