صديق الحسيني القنوجي البخاري
466
فتح البيان في مقاصد القرآن
عدم كسب الخير فيه بلا شك ولا شبهة إذ لا خير لمن لا إيمان له ، فيكون على هذا ذكره تكرارا إن كان حرف التخيير على بابه من دون تأويل ، وأيضا عدم الإيمان مستقل في إيجابه للخلود في النار فيكون ذكر عدم الثاني لغوا ، وكذلك وجود الإيمان مع كسب الخير فيه مستقل في إيجابه للخلوص عن النار وعدم الخلود فيها فيكون ذكر الأولى أعني الإيمان بمجرده لغوا . فهذا وجه الإشكال في الآية باعتبار حرف التخيير المقتضى لكفاية أحد الأمرين على انفراده وقد ذكروا في التخلص عن هذا الإشكال وجوها . أحدها : أنه يتحقق النفع بأيهما كان ولا يخفاك أن هذا تدفعه الأدلة الواردة بعدم الانتفاع بالإيمان من دون عمل . والوجه الثاني : أنه لا ينفع إلا تحقق الأمرين جميعا الإيمان وكسب الخير فيه ، وهذا أيضا يدفعه المعنى العربي والإعرابي فإنه لو كان هو المراد لقال : لم تكن آمنت من قبل وكسبت في إيمانها خيرا . الوجه الثالث : أن ذكر الشق الثاني من شقي الترديد لقصد بيان النفع الزائد وتحرّي الأفضل والأكمل ، وهذا أيضا فيه خروج عما يوجبه معنى الترديد الذي يقتضيه حرفه الموضوع له . الوجه الرابع : أن يراد الكلام مرددا على هذه الصفة المقصود به التعريض بحال الكفار المفرطين في الأمرين جميعا ، وهذا أيضا خروج عن مقصود الآية بتأويل بعيد جدا لم يدل عليه دليل . الوجه الخامس : أن الآية من باب اللف التقديري أي لا ينفع نفسا إيمانها ولا كسبها في الإيمان لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا . ورد بأن معنى اللف التقديري على أن يكون المقدر من مهمات الكلام ومقتضيات المقام فترك ذكره تعويلا على دلالة الملفوظ عليه واقتضائه إياه ، وليس هذا من ذاك . الوجه السادس : أنهما معا شرطان في النفع وإن العدول إلى هذه العبارة لقصد المبالغة في شأن كل واحد منهما بأنه صالح للاستقلال بالنفع في الجملة ولا يخفى أن هذا مجرد دعوى لا دليل عليها ، وإخراج للترديد عن مفاده الذي تقتضيه لغة . الوجه السابع : أن ظاهر الآية المقتضى لمجرد نفع الإيمان يعارض بالأدلة الصحيحة الثابتة كتابا وسنة أنه لا ينفع الإيمان إلا مع العمل وهذا هو الوجه القوي ، والتقرير السوي ، والاستدلال الواضح ، والترجيح الراجح لسلامته عن التكلفات والتعسفات في معنى الآية وعن الإهمال لما فيها من الترديد الواضح بين شقّي الإيمان المجرد والإيمان مع العمل .