صديق الحسيني القنوجي البخاري
441
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً هذا بيان نوع آخر من أنواع كفرهم وجهلهم وإيثارهم لآلهتهم على اللّه سبحانه أي جعلوا للّه سبحانه مما خلق من حرثهم ونتاج دوابهم وهي الإبل والبقر والغنم نصيبا ولآلهتهم نصيبا من ذلك أي قسما يصرفوه في سدنتها والقائمين بخدمتها ، فإذا ذهب ما لآلهتهم بانفاقه في ذلك عوضوا عنه ما جعلوه للّه قالوا اللّه غني عن ذلك . وعن ابن عباس قال : جعلوا للّه من ثمارهم ومائهم نصيبا وللشيطان والأوثان نصيبا فإن سقط من ثمره ما جعلوه للّه في نصيب الشيطان تركوه وإن سقط مما جعلوه للشيطان في نصيب اللّه ردوه إلى نصيب الشيطان ، وإن انفجر من سقي ما جعلوه للّه في نصيب الشيطان تركوه وإن انفجر من سقي ما جعلوه للشيطان في نصيب اللّه نزحوه ، فهذا ما جعلوا للّه من الحرث وسقي الماء وأما ما جعلوه للشيطان من الأنعام فهو قول اللّه ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ [ المائدة : 103 ] الآية . وقال مجاهد : جعلوا للّه جزءا ولشركائهم جزءا فما ذهبت به الريح مما سموا للّه إلى جزء أوثانهم تركوه وقالوا اللّه عن هذا غني ، وما ذهبت به الريح من أجزاء أوثانهم إلى جزء اللّه أخذوه ، والأنعام التي سمى اللّه البحيرة والسائبة . فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ الزعم الكذب وقرىء بضم الزاي وبفتحها وهما لغتان وإنما نسبوا للكذب في هذه المقالة مع أن كل شيء للّه لأن هذا الجعل لم يأمرهم اللّه به فهو مجرد اختراع منهم ، قال الأزهري : وأكثر ما يكون الزعم فيما يشك فيه ولا يتحقق قال بعضهم هو كناية عن الكذب . وقال المرزوقي : أكثر ما يستعمل فيما كان باطلا أو فيه ارتياب ، وقال ابن القوطية : زعم زعما قال خبرا لا يدري أحق هو أو باطل ، قال الخطابي : ولهذا قيل : زعموا مطية الكذب وزعم غير مزعم ، قال غير مقول صالح وادعى ما لا يمكن . وَهذا لِشُرَكائِنا أي الأصنام فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ أي ما جعلوه لها من الحرث والأنعام فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ أي إلى المصارف التي شرع اللّه الصرف فيها كالصدقة وصلة الرحم وقراء الضيف وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ أي يجعلونه لآلهتهم وينفقونه في مصالحها ساءَ ما يَحْكُمُونَ أي حكمهم في إيثارهم آلهتهم على اللّه سبحانه ورجحان جانب الأصنام على جانب اللّه تعالى في الرعاية والحفاظة ، وهذا سفه منهم . وقيل معنى الآية أنهم كانوا إذا ذبحوا ما جعلوه للّه ذكروا عليه اسم أصنامهم ،