صديق الحسيني القنوجي البخاري

437

فتح البيان في مقاصد القرآن

لا ينزل لهم جنة ولا نارا ، وقد أوضح المقام الحافظ ابن القيم رحمه اللّه في كتابه حادي الأرواح فليرجع إليه . إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ أي في تدبير خلقه وتصريفه إياهم في مشيئته من حال إلى حال وغير ذلك من أفعاله عَلِيمٌ بعواقب أمور خلقه وما هم إليه صائرون . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 129 إلى 131 ] وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 129 ) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ ( 130 ) ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ ( 131 ) وَكَذلِكَ أي مثل ما جعلنا ما بين الجن والإنس ما سلف نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً أي نجعل بعضهم يتولى البعض فيكونون بعضهم أولياء بعض ثم يتبرأ بعضهم من البعض ، فمعنى نولي على هذا نجعله وليا له ، وقال عبد الرحمن بن زيد : معناه نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس ، وروي عنه أنه فسر هذه الآية بأن المعنى نسلط بعض الظلمة على بعض فنهلكه ونذله فيكون في الآية على هذه تهديد للظلمة بأن من لم يمتنع من ظلمه منهم سلط اللّه عليه ظالما آخر . وقال فضيل بن عياض : إذا رأيت ظالما ينتقم من ظالم فقف وانظر متعجبا وقيل معنى نولي نكل بعضهم إلى بعض فيما يختارونه من الكفر ، وقال قتادة : المعنى المؤمن ولي المؤمن حيث كان وأين كان ، والكافر ولي الكافر حيث كان وأين كان ، وقال ابن عباس في الآية : إن اللّه إذا أراد بقوم خيرا ولى عليهم خيارهم وإذا أراد بقوم شرا ولى عليهم شرارهم . بِما كانُوا يَكْسِبُونَ الباء للسببية أي بسبب كسبهم الذنوب ولينا بعضهم بعضا قال قتادة : يولي اللّه بعض الظالمين بعضا في الدنيا ، ويتبع بعضهم بعضا في النار من الموالاة ، وقال الأعمش سمعتهم يقولون إذا فسد الزمان أمر عليهم شرارهم . يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ أي يوم نحشرهم لنقول لهم ألم يأتكم ، وهو شروع في حكاية ما سيكون في الحشر من توبيخ المعشرين بما يتعلق بخاصة أنفسهم إثر حكاية توبيخ الجن بإغواء الإنس وإضلالهم إياهم . وظاهره أن اللّه يبعث في الدنيا إلى الجن رسلا منهم كما يبعث إلى الإنس رسلا منهم ، وبه قال الضحاك ، وقيل معنى منكم أي ممن هو مجانس لكم في الخلق والتكليف والقصد بالمخاطبة فإن الجن والإنس متحدون في ذلك وإن كان الرسل من الإنس خاصة فهم من جنس الجن من تلك الحيثية ، وبه قال أكثر أهل العلم وابن عباس .