صديق الحسيني القنوجي البخاري

435

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَهذا أي ما أنت عليه يا محمد ومن معك من المؤمنين صِراطُ رَبِّكَ أي دينه مُسْتَقِيماً لا اعوجاج فيه ، وقال ابن مسعود : يعني القرآن لأنه يؤدي من تبعه وعمل به إلى طريق الاستقامة والسداد ، وقيل الإشارة إلى ما تقدم مما يدل على التوفيق والخذلان ، أي هذا هو عادة اللّه في عباده يهدي من يشاء ويضل من يشاء . قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ أي بيناها وأوضحناها لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ أي لمن يذكر ما فيها ويتفهم معانيها وهم أصحاب محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ومن تبعهم بإحسان . لَهُمْ دارُ السَّلامِ أي لهؤلاء المتذكرين الجنة لأنها دار السلام من كل مكروه ، وبه قال جمهور المفسرين ، أو دار الرب السلام مدخرة لهم عِنْدَ رَبِّهِمْ يوصلهم إليها ، قال قتادة : دار السلام الجنة ، وقال جابر بن زيد : السلام هو اللّه وقال السدي والحسن : اللّه هو السلام وداره الجنة ، وقيل المراد بالسلام التحية أي دارها وهي الجنة والمعنى متقارب . وَهُوَ وَلِيُّهُمْ أي ناصرهم ومتولي إيصال الخير إليهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أي بسبب أعمالهم الصالحة التي كانوا يتقربون بها إليه في الدنيا . وَ اذكر يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ أي الخلق جَمِيعاً في القيامة أو المعنى يوم الحشر نقول : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ المراد بهم الشياطين والمعشر الجماعة والجمع معاشر قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ أي من الاستمتاع بهم كقوله رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ [ الأنعام : 128 ] وقيل استكثرتم من إغوائهم وإضلالهم حتى صاروا في حكم الأتباع لكم فحشرناهم ، معكم ، ومثله قولهم استكثر الأمير من الجنود ، والمراد التوبيخ والتقريع ، وعلى الأول فالمراد بالاستمتاع التلذذ من الجن بطاعة الإنس لهم ودخولهم فيما يريدون منهم . وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ لعل الاقتصار على حكاية كلام الضالين وهم الجن للإيذان بأن المضلين قد أفحموا بالمرة فلم يقدروا على التكلم أصلا . رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ أما استمتاع الجن بالإنس فهو ما تقدم من تلذذهم باتباعهم لهم ، وأما استمتاع الإنس بالجن فحيث قبلوا منهم تحسين المعاصي فوقعوا فيها وتلذذوا بها ، فذلك هو استلذاذهم بالجن . وقيل استمتاع الإنس بالجن أنه كان إذا مرّ الرجل بواد في سفره وخاف على نفسه قال : أعوذ برب هذا الوادي من جميع ما أحذر ، يعني ربه من الجن ، ومنه قوله