صديق الحسيني القنوجي البخاري

429

فتح البيان في مقاصد القرآن

ثم استثنى فقال : إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ من جميع ما حرمه عليكم فإن الضرورة تحلل الحرام وقد تقدم تحقيقه في البقرة قال قتادة : ما اضطررتم إليه من الميتة والدم ولحم الخنزير والاستثناء كما قال الحوفي منقطع ، وبه قال التفتازاني ، وقال أبو البقاء : متصل من طريق المعنى لأنه وبخهم بترك الأكل مما سمي عليه ، وذلك يتضمن إباحة الأكل مطلقا ، وحاصله أن الاستثناء من الجنس فهو متصل ، وقال زكريا فيه : إنه لا يكون حينئذ استثناء متصلا بل هو استثناء مفرغ من الظرف العام المقدر . وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ هم الكفار الذين كانوا يحرمون البحيرة والسائبة ونحوهما فإنهم بهذه الأفعال المبنية على الجهل كانوا يضلون الناس فيتبعونهم ولا يعلمون أن ذلك جهل وضلالة لا يرجع إلى شيء من العلم ، قال سعيد بن جبير : يعني من مشركي العرب ليضلون في أمر الذبائح إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ أي بمن تعدى حدوده فأحل ما حرم وحرم ما أحل اللّه فيجازيهم على سوء صنيعهم . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 120 إلى 121 ] وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ ( 120 ) وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ( 121 ) وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ الظاهر ما كان يظهر كأفعال الجوارح ، والباطن ما كان لا يظهر كأفعال القلب ، وقيل ما أعلنتم وما أسررتم ، وقيل الزنا الظاهر والزنا المكتوم ، وقال ابن عباس : الظاهر نكاح الأمهات والبنات ، والباطن هو الزنا ، وقال سعيد بن جبير : الظاهر منه لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء وحرمت عليكم أمهاتكم الآية ، والباطن الزنا ، وقال قتادة : علانيته وسره . وقال السدي : الظاهر الزواني في الحوانيت ، وهن صواحب الرايات ، والباطن المرأة يتخذها الرجل صديقة فيأتيها سرا ، وقال ابن زيد : ظاهر الإثم التجرد من الثياب والتعري في الطواف ، والباطن الزنا ، وقيل هذا النهي عام في جميع المحرمات التي نهى اللّه عنها وهو الأولى ، فإن الاعتبار بعموم اللفظ دون خصوص السبب ، وبه قال ابن الأنباري ، وإنما أضاف الظاهر والباطن إلى الإثم لأنه يتسبب عنهما . إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ توعد الكاسبين للإثم بالجزاء بسبب افترائهم على اللّه سبحانه . وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ نهى اللّه سبحانه عن أكل ما لم يذكر اسمه الشريف عليه بعد أن أمر بالأكل مما ذكر اسم اللّه عليه ، وفيه دليل على تحريم أكل ما لم يذكر اسم اللّه عليه ، وقد اختلف أهل العلم في ذلك فذهب ابن عمر ونافع مولاه والشعبي